من حوار الياسمينة والعصفور (26)

سـوزان ضـو قرأها 1,123
 

من حوار الياسمينة والعصفور (26)

----------------- سـوزان ضَـو-----------------

وصل الحديقة ملتاعاً. علا تغريده حتى غطّى صوتُهُ الرعد في السماء. لم يعرف من أين يبدأ، ولا كيف.

ثمّة من اغتال العطر فانتشرت رائحة الموت. للمرّة الأولى هي تطلب منه الرحيل. لماذا؟ فلنستمع.

***

-       صراخك يملأ الفضاء. ما الذي يجري؟

·       تُمطر السماء جراحاً بحجم وطن. يحاولون اقتلاع جذوري.

-       جذورك المسافرة في حديقة إيمانك لن تقوَى عليها الجراح.

·       بل تكاد تنتصر على ما تبقّى من الفرح.

-       كيف استطاعوا الوصول إلى داخل الحديقة؟

·       فتحتُ الأبواب لاستقبال العيد، فلوَّنوا الصفحات البيضاء بسواد حضورهم.

-       كيف لم ينقذك أحد وأنت الصغيرة البريئة؟

·       ومن ليهتم؟ من ليقدّم لي لحظة فرح من زمن العيد؟

-       من اغتال الرفق بالإنسان؟ هل انتحرت الإنسانيّة؟

·       اغتاله من اعتبر الرّفق بالحيوان أهمّ، فانتحرت الإنسانية حزناً على إنسانيتها.

-         أخافوا من انقراض الحيوان، هو الذي يؤمِّن للطبيعة توازنها!

·       ألسنا، كبشر، على طريق الانقراض؟؟ ألسنا نقامر برصيدنا في الإنسانية ونُفقد الطبيعة اتّزانها وتوازنها؟

-       معك حق. لكن: ما ذنب الطفولة؟ من له الحق بتقديم البراءة على مذبح الهمجية؟

·       استباحوا ملاعب الطفولة وحوّلوها أفواهاً تقضم الأجساد لتُشبِعَ نهم الأرواح إلى الشرّ.

-       كم كلامك اليوم لا يشبهكِ. لا يشبهنا. ماذا جرى؟

·       اعتصرت آلامهم رحيق العطر مني. وأحزانهم الكبيرة امتصّت ضآلة حزني، فبدت لي الأيام أضرحة فارغة تنتظر أن تنغلق أبوابها على الأجساد الطرية.

-       كيف أعيد إليكِ بعض فرح؟

·       ومن أين تأتي به؟ ألا ترى معي أنّهم وزّعوا الحزن على مدار السنة الجديدة، وصلبوا الدّمع على أبواب المنازل ندىً تغتسل به القلوب فتنبض دمعاً؟

-       لا بدّ وأن أجد في فضائي الواسع ابتسامة تركها طفل على باب البيت قبل أن يهرب.

·       لم يبقَ بابٌ ولا بيتٌ لينسى الأطفال ابتساماتهم أمامها. لم يبقَ أطفال.

-       تعذّبني روحك حين تنفطر دمعاً على الآخرين.

·       لم تكن روحي يوماً إلاّ للإحساس بالآخرين.

-       تريدينني أوقف الكلام؟

·       بل أريدك ترحل الآن. أخجل من دمعي الذي يبكيهم وهم في مضرََّجات الدماء.

إرحلِ الآن ودعني أخرج من شرنقة همجيتهم بحزن أخير.

إرحل الآن، فالحزن يُعدي، ولكي تحلّق تحتاج فرحاً.

إرحل الآن ولكن... لا تتأخر بالعودة. أنتظرك.

 B%20%26%20J%2026.JPG

من حوار الياسمينة والعصفور

فاتحة.. إلى قرّاء "جماليا"

(1) – (2) – (3) – (4) – (5) – (6) – (7) – (8) – (9) – (10)

(11) – (12) – (13) – (14) – (15) – (16) – (17) – (18) – (19) – (20)

(21) – (22) – (23) – (24) – (25)