من حوار الياسمينة والعصفور (47)
من حوار الياسمينة والعصفور (47)
---------------سـوزان ضـو---------------
يداً في يد، حوّلنا العمر صوب المحطّة الأخيرة... وانطلقنا.
بكلّ وفاء لنا وانتماء إلينا، هَمسَ قلبانا في آذاننا: معاً الى اللانِهاية.
الياسمينة والعصفور
- مع كلّ رمشةٍ أشتاق إليكِ أكثر. أمَا هذه قمّة الاشتياق؟ لا تغمضي عينيكِ، دعيني أرتفع بانتمائي إليك. في فضائي صيّاد يحتجزني.
· ليس الصيّاد مَن يحتجز فضاءك، بل لحظة فرح زرعونا خلالها ليعرّش الحزن على جدران أيّامنا، نقطفه يومياً عناقيد حنين ونعصرها دمعاً يروي ظمأ العمر إلى لحظة فرح جديدة.
- لماذا تتركين ذاكرتك تهدر شلاّلاً يجرف حصاد المواسم جميعها؟
· لأنني أقف على طرف الهاوية، يسكن عينيّ ما يشبه قراراً بالسقوط وتلتمس يداي من عتمة غيابك دفء اللّمسة الأخيرة.
- ماذا تتركين لي في لحظاتي إن رحلتِ، وأنتِ وضعتِ نقطة نهائيّة لحكاية انتظارك؟!
· تبقى لنا وليمة الحزن، يدعونا إليها الآتي من الأيّام. نُخفي شوقنا في أجمل ثياب، نحجزُ مقعدَين متواجهين إلى طاولة، نرسم ضحكة غبيّة ونقرع طبول الأصوات المرتفعة، فتضجّ الدّعوة بكل من فيها، إلاّ حضورنا.
- تريديننا نتحوّل أصناماً؟ قماشاً يخفي هياكل ماضٍ بلا ذاكرة؟ أيرأفُ العمر بما تبقّى من عمره إذا استسلمنا؟
· ثمّة نقاط تتفتّت على رؤوسها المسنونة كالحراب لهفة الانتظار. طويلاً التصق وجهي بنافذة الوقت. كثيراً آلمني سلخ حزني عن زجاج العمر المهجور منك، تكسّر الفرح مرّة تلوَ الأخرى، تشظّى عقم الانتظار، ولم تأتِ.
- عشقت الحزن لأنه أنتِ، اخترت العذاب لأنه أنتِ، امتلكت الفرح حين سمعتني، أعدتِ النبض إلى شراييني وعطّرتِ نسمات صدري بعطر الياسمين. ولأنّك من خيوط الانتظار الطويلة حيّكتِ وفاء حكايتنا، ملّكْتُكِ ذاتي فاسكني في غمضة عينيّ حبيبة العمر.
· من أين آتيكَ بعمر آخر لأحيا معك هذا العمر؟
- نذرتُ لوصولكِ انتظار الصفحات، كفاكِ تزرعين الخوف فوق وسادة انتظارك. حيث أنت لا مكان لسواكِ. لا تخترعي ذاكرة للنسيان.
· لن أكون فصلاً جديداً من حكاية الأطفال تلك. حلمي أن أكون أنا الحكاية، أن أكون طفلة تلهو في الغابة فتحوّلها إلى حديقة، والذئب إلى عصفور والجدّة تصير حكاية محبّة نلهف لسماعها ولو تكرّرت آلاف المرّات.
- دعيني أكمل بحثي عن مواسم أخرى، لا أبواب مقفلة فيها ولا دمع يغسل درج الياسمين. دعيني ألملم الزّهر وأُعيده إليكِ. حديقتك تستحق الفرح لا الدّمع.
· الزّهر يتفتّح ليزيّن راحة اليد لا ليسكن المزهريّات ويزّين الموائد. العطر لا ينتهي، نحن نفقد حاسّة الشمّ. القلوب لا تصمت. نحن نُصِمُّ آذاننا عن سماعها.
- تعزفين بي ألحاناً ذروتُها الحلم بلقاء أخير لا فراق بعده. أيّ طريق توصلني إليك وأنت سجينة حديقة أسوارها المذهبّة سلاسل تحملينها وحدك.
· أحملها وحدي لأني عرفت الحقيقة: السفن تبحر باتجاه مرافئ مختلفة لكنّها في النهاية تصل إلى وجهتها. والتي لا تصل تكون ضحيّة بحر هائج، تبتلعها الأمواج، تسقط في النسيان. أعرف كيف أقاوم الموج وأرسم حكايتي على صفحات الذاكرة لا على حدود النسيان. تحبُّني؟
- أحبّكِ. بوساعة الفضاء الذي تركتني أحلّق فيه. أحبّكِ بحجم الوقت الذي أمضيته بعيداً عنكِ. وأنتِ؟
· أحبّك بحجم العطر الذي يضوع مني. بأبيض يرفرف فوق كلّ غشاوة سوداء سيرميها غيابك الطويل فوق عينيّ.
- تختارين عطرك ولونك! لماذا؟
· لا قدرة لي على التحليق لأنثر حبي فوق مسافات انتظاري، أحبّك بعطر ارتدى الأبيض ثوباً على امتداد أزمنة الحبّ، حتى تلك التي لم تأتِ بعد، وإليك يسافر في كلّ شهقة انتظار تدهشني وحدي.
- يا لقدرتك على تحويل خصلات شعرك إلى أغصان شجرة عتيقة في فيئها أستكين. حين تصير الحقيبة أكبر من وطن، هل نملأها تراباً يذكّرنا بالأحباب؟
· بل نحوّل الوطن إلى قلب بحجم حقيبة، نقفلها على أحباب العمر، ننطلق في موكب وداع حزين ونحوّل الحقيبة حبّة تراب نقيّة. في تلك اللحظة، وأنا أقفل حقيبتي عليك، قرّرت أن التربة الوحيدة التي تستحقك هي تربة وطني، وقد أقفلت عليه القلب. لا حبيب لي سواه، لا حبيب لي سواك... كلاكُما وطني.