من حوار الياسمينة والعصفور (46)

سوزان ضوّ قرأها 2,274
 

من حوار الياسمينة والعصفور (46)

---------------سـوزان ضـو---------------

الأطفال يقطفون الشمس ويُحوِّلونَها كرة يلعبون بِها طالما الطفولة تسكنهم.

يناديهم الكبار: "حان وقت النوم". يَحترقون.

الياسمينة

D46Y&B.JPG

-  حين أحلِّق في وقت خلا منكِ، ومَخافة أن يَحتجزني عقم الانتظار في فراغٍ من لونٍ آخر، أتمسّكُ بقلبي لألقاكِ في لَحظاتِ ذاكرةٍ تتسابق فيها الذكريات.

·       وجودُكَ مسحَ عينيَّ بنسيم حلم هارب من ليل طويل. صار النسيم عاصفة هوجاء، وبقيتَ أنتَ الحلم.

-      مفارقة تَحسّسها إيماني بكِ ولم يَخذلني مرّة. لا تحاولي جمع أطراف العاصفة في شال الفراق. لن ترحلي.

·       كيف لا أرحل والفرق بين الحضور والغياب: ثانية؟ أوّل الكلام لك، وآخرُه لي.

-      كيف نحيا في ظلّ غيوم رماديّة ثم نقفز لنجاور الشمس بدون خوف الاحتراق؟

·       استقلتُ من كتابة حكايات العودة. لن أرسم طرقاتها بعد اليوم.

-      ماذا تُخفين في حقائب السَّفر؟ كيف ترتبّين أشياءكِ وذكرياتك في حقيبة واحدة؟

·  وهل يمكن التقاط لحظات الفرح الضئيلة لِحفظها في حقيبة، ثمّ تكديس عمر من الأحزان في حقيبة أخرى؟

-      لا حقيبة تتّسع لعمر عصفت به رياح الغربة عند المفترق الأول ولا تزال تروي جذورَه أمطارُ الأحزان.

·  أتعرف وُجهة الدّمعة التي هربت الآن؟ في أيّة حقيبة أخفيها؟ أيّ قطار يحتمل نقل حقيبة مثقلة بملح جفاف العمر؟

-      كيف تسكبين الحزن في كوب ولا يفيض ؟

·  الكوب حزنٌ مترامي الأطراف، مساحات شاسعة أحاطت بالنظرات الشاردة على المرافئ، حدود لا حدود لها. لن يفيض.

-  طويلاً فتّشت عن مَخبأ الأحزان التي تنضح من كلماتك. لم أجد الطريق. استسلمت لكِ بحلم أن أزرع الفرح فإذا بي أروي الأحزان لتنمو في قلبك مثل الفطر، مثل العشب البريّ.

·       مَخبأ الحزن لا طريق له. هو الطريق.

-      يا التي أنتِ العلامة الفارقة في زمن اعتيادي، لماذا أحبّك بهذا الجنون الأخرس؟

·  لأنني حلم، والحلم عشق المجانين. أتيتُكَ عصفورةَ سلام. اشتدّ الإعصار. كيف أكتب الصفحة التالية؟ لِمن وقد تلوّنت التي سبقتها بالرّحيل؟!

-  لا يمكنك أن تحاصري عشقي. يدي الممدودة ليست ملكي. إنها  رهن الفضاء الملبّد المنتظر لمسة دفء منكِ.

·  لأن الأطفال يعشقون الحريّة، أطلقُكَ إلى حريّة من اختيارك بلا خوف. لا يمكن لصدأ النسيان أن ينتصر على انتمائك ووفائك.

-      حين يتعب الفارس يسقط المحاربون في معركّة مسجلة على لائحة الانتظار.

·       الأبيض لا يسقط. يرسم الألوان، يَخطّها على جناحي فراشة، ويطلقها لتحترق بنور قنديل خافت.

-      إذا احترقت الفراشة بنور قنديل، أو سقطت العصفورة ببندقية صياد، من يبقى ليزيّن السماء؟

·       لا أحد... تبقى الصفحات بيضاء.

-  لكن أحلام الأطفال تستيقظ بين صفحات الكتب، يُقفل الكبار الكتاب، عفواً أو عمداً، تختنق الأحلام وينام الأطفال على كابوس سمه: الحياة.

·  صحيح. قلوب الأطفال تشبه دفاترهم في بداية السنة الدراسيّة: بيضاء. يُخربشون عليها فرحهم الذي تذبحه التصحيحات بالحبر الأحمر.

-      وعيونُهم؟ ألا تشبه ملاعب مدرسة تضجّ فرحاً يغتاله صوت الكبار الصارخ بهم: انتهت الإستراحة؟!

·  بل تشبه دمعة طفلٍ فقدت انتماءها وسكنت مشارف العين على حدود الوطن؛ عليها أن تنهمر، أن تسقط ولا تستطيع: لم يسمحوا لها بالعودة.

-  لكنني سأعود. مهما احتجزتْني الأوطان الأخرى وجعلت منّي مقيماً على حدودها، مُجرّداً من الإذن بالدخول، سأجتاز المنع وأعود.

·       لكي تعود، عليك أن ترحل. أقصر الطرقات إلى الفرح: أن نعتاد الحزن. وأنا اعتدْتُ غيابك ولا أشكو. لا تتأخر، مواسم الذبول تدنو من الأبواب، وأنا ما زلت أنتظرك.

 

One%20yasmin.JPG

من حوار الياسمينة والعصفور

فاتحة.. إلى قرّاء "جماليا"

(45)