من حوار الياسمينة والعصفور (48)

سـوزان ضـو قرأها 1,484
 

من حوار الياسمينة والعصفور (48)

---------------سـوزان ضـو---------------

ألياسمين لا يسقط على الأرض، بل الأرض ترتفع لتحضن زهراته فتنتشي بها، وتفتخر، وتشير إلى الزهور الأخرى بأنّ ملكة الجنائن هي الياسمينة البيضاء.

من قال إنّ الياسمين يتتلمذ؟ الياسمينة ملكة المعرفة. عطرها فرحُ العصافير، ومن حكمتها هالة النور الواسعة والعميقة التأثير...

(البستاني)

jasminebar48.jpg

Sampaguita003.jpg

-      يتحرّك الخوفُ في داخلي: لِمَ تسألينني دوماً عن الثانية التالية؟

·  لأنها السؤال الوحيد الذي لم أجد له جواباً. الثانية التالية كانت وستبقى نقطة الجهل في حياتي. إن أدركتُ كُنْهَها أكن وصلت إلى الثانية الأخيرة من عمري.

-      لماذا تعيشينها حزناً وتستنبطين جزيئاتها منّي، أنا المسافر بحثاً عنها؟

·       لا تقارن بيننا. لا وجه شبه يَجمعنا. قد نَحمل سؤالاً واحداً لكننا مُختلفان.

-  سافرتُ كثيراً قبلكِ بَحثاً عن جواب. كثيراً تعبت في أسفاري. وصلت إلى حدود الهواء، إلى عيون الضوء ومشارف العتمة، ولم أجد أكثر من فراغٍ آخر.

·       لأنك لم تنجح في اختيار المقياس الصحيح للغياب.

-  أنتِ، يا ياسمينة العمر، مقياس الزّمن، توقيت الفرح والحزن، ضجر الرحيل والعودة. أحسب الوقت بانطلاقتي منكِ وعودتي إليكِ. لماذا تأرجين اليوم دمعاً، وأغرّد حزناً؟

·  لا نهاية بدون حزن. في مكانٍ ما من أعماقنا، ندرك تَماماً أن النهاية اقتربَت، وعلينا الاستسلام للمصير. عبثاً نُحاول تلوين ما تبقّى ببعض الفرح. لن نخرج من دوّامة الحزن.

-      دعي القلب يفكّر، ولو لمرّة، خارج العقل. لا تخترعي جدلية عقيمة من مشوار انتظارك الأجمل.

·  لا إيمان يولد من الجدليات. للإيمان تلزمنا ثوابت. انتهى الوقت ولم يتجدّد الحلم. تراه انتهى زمن الأحلام المولودة من خارج الوقت؟

-  تغرقين في فلسفة الحزن ونهاية الأحلام. هل حملتْ عواصف الشتاء غباراً لم تعتادي مروره؟ ها صدري شرّعْتُهُ فارتاحي حتى طلوع الفجر.

·  الياسمينُ لا يرتاح إلاّ على أوراقه. حين تذبل يسقط معها. أجيد القراءة بين السطور. وصل الخريف، بعض الحزن يغذّي التربة، كثيره يُذبل الياسمين، يَهجم على البتلات بصُفْرةٍ وبرودة تُشبهان ما يرتسم على الوجه قبل الإغماضة الأخيرة.

-  هي حدود الرحيل، لكنّ العودة أقوى. البقاء يصارع للبقاء. لا ختم للنهاية، هي مفتوحة على كلّ الاحتمالات. حتى الأنبياء تمسّكوا بالأمل حتى اللّحظة الأخيرة.

·  اجتزنا الحدود منذ بعض الكلام واستسلم البقاء للجفاف. هم أنبياء يقفون في وجه العواصف، أنا لست أكثر من ياسمينة صغيرة تَجرَحُها نسمة هواء.

-  دعيني أرانا دائماً في بداية الطريق، أخترْ نبيّاً لسفري وعودتي. دعيني أحلّقْ ببراءة زهرك وخضرة عطائك، دعيني بريشة عصفور عاشق أنزعْ عنك غباراً غريباً عنكِ. يعرف العصفور متى يرتفع وكيف يُحلِّق، تَماماً كما يعرف الياسمين متى يزهر. دعيني أمسحِ الحزن عن جبينك.

·  لا حزن يكلّل جبين الياسمين. الياسمين يَحيا الفرح، وبفرحٍ يَموت. لِحرّية جناحيك الفضاء الرّحب، الياسمين لا يستهويه الطيران. جذوره ضاربة في أعماق التراب.

-      لن تتركيني أحلّق في يتمي وحيداً. ما دمتِ ثابتة في تربتك سأعود لأجدك. لن أفقدك.

·       ليس المهم أن تَجدَني. المهم أن تَجدني في انتظارك.

-      لم تخذليني يوماً. فرشتِ انتظاركِ على امتداد الزّمن.

·       أقفِلِ الذاكرة على ما فيها. يكفي تنقيباً وبَحثاً. أَقفِل نوافذ العمر، إفتح جناحيكَ، وعُد إلى فضائك.

-      هل تقفلين ساحات الحضور لترسمي العمر لحظة غياب؟

·       اللّحظة التالية قد تَحمل الجواب...

 

A%20flying%20bird001.JPG

من حوار الياسمينة والعصفور

فاتحة.. إلى قرّاء "جماليا"

(47)