من حوار الياسمينة والعصفور (44)
من حوار الياسمينة والعصفور (44)
---------------سـوزان ضـو---------------
أستمتعُ بقراءةِ ذاتيَ في قصيدةِ حبٍّ، خطَّتْها ريشةُ حبيبٍ
يعشقُ اللحظةَ، ويَخافُ الآتي.
أُسَلِّمُكَ شوقِيْ على عتَبةِ الفجر، فَأَدَعُني أغفو ولو لَحظَةً هارِبة.
يا أنتَ، يا خوفَ الغياب في جميع اللّحظاتْ.
ياسمينتك
- أشتاقكِ أكثرَ بعد كلّ غياب، ويقصُر بقائي أكثر بعد كلّ عودة. ماذا يعني لكِ الانتظار؟
· إنتحار بطيء في انتظار اللقاء.
- واللّقاء؟
· إنتحار سريع في نبض الحبيب.
- وأنتِ، ماذا تفعلين؟
· أنتظر لقاءك لأحيا به انتحاري. لقائي بك هو الوفاء بالوعد في انتظار الإخلال به.
- وما الوعد؟
· تَمديد لأزمة الانتظار ينهيها الوفاء به.
- والطريق بين الوعد والوفاء به؟
· مسافة مَحدودة في الزمان والمكان، نقطعها بإرادتنا بين زمني اللّقاء والرحيل.
- والعيد؟ موعده؟ ما تقولين فيه؟
· وهل يُمكن حبسُ الأعياد في يوم واحد، واحتجاز كلماتي في يوم العيد؟
- غابت مواسم الأعياد عن العمر حتى حضرتِ فصرتِ العيد والتاريخ.
· ما جدوى العمر وليس عمرنا معاً، وما جدوى عمرنا ولم يحمل فرحة العيد؟
- بحضوركِ غزلت حرير العيد فكنت صانعة الفرح.
· أزحتُ الغبار عن فرحك الدفين. لم أحمل إليك ابتسامتك، حرّكتُها. لم أُهْدِكَ فرحتك، نزعت النقاب عنها. وفاؤك لم أُعَلِّمك إيّاه، بادلتك إيّاه بوفاء أكبر.
- إذن، شكراً ليدك التي امتدّت تَمسح غبار الزّمن الرمادي. شكراً لابتسامتكِ التي حرّكت مشاعر جمّدها الصّقيع. شكراً لأناملك التي محت الأحزان ونشرت عطر الفرح. لا ينام الوفاء إلاّ في أحضان وفاء أكبر.
· يدي التي امتدّت لتَمسح الغبار ستترك لك بعد الغياب فرح الأيّام الملوّنة لا ضبابيّة الزّمن الرمادي. إبتسامتي ستبقى بعد الغياب صدى فرحٍ من حقّك. أناملي التي ستفقد حريّة الحركة، يكفيني أنها أعادت الى قلبك عطر الحلم.
- تغيبين، يكون العدم. ما بعدَكِ بَعْد.
· وهل نحن أكثر من عدمٍ في وجودٍ مصيرُهُ العدم؟ يوم أغيب، لن يكون من حقّ عينيك أن ترياني، ويدك لن تلوّح لي على طرف الميناء. يوم أغيب، سيمحو غيابي من قلبك صدى صوتي فترتاح.
- ولمن تتركينني؟
· لصمتك.
- دعيني أتكلّم الآن. ألوّن لحظاتنا معاً بحب غريب في أمكنة أصبحت غريبة.
· ألا تكفينا غربتنا لنلوّن أجمل اللحظات بغربة من لون آخر.
- ألواننا تشبهنا، لا تشبه الغربة.
· أنظر جيداً ترَ أننا الغربة في شكل ياسمينة وعصفور.
- تغرّبنا عن غربة البشر لنعود إلى أمكنتنا، وها نحن في مطارحنا.
· لم تكن لنا مطارح. شرّدتنا البدايات في أمكنة غريبة وانتقلنا إلى أمكنة أكثر غرابة. كأن الغربة أقدامنا تتنقّل بنا ولسنا ننتقل منها.
- توقُنا في البدايات حملنا إلينا، وليس منّا، فكان العيد لحظة اللقاء.
· مساحات الشوق أوسع من العمر: تساوى الحضور والغياب في مسافة فاصلة بين العيد الحاضر لحظة حضورك والحزن المعشّش في لحظات رحيلك.
- أمامي وجوه مستعارة تتبرّج كي تحجب عني جمال الياسمين. خسِئَتْ. وحدكِ انتصرتِ. العصفور يتذوّق جمال الطبيعة ويتنشّق عطرها ولا حياة له في أيّ مدى يفصله عنك.
· لأنّك استبحت ماضي العمر وسكنتَ الحاضر، احتكمتُ إلى الجنون في زمن العقل.
لأنّكَ الـ"أنتَ" التي رسَمَتْ "أنا"ي بريشة بيضاء...
يا عصفورَ الغياب الدّائم، أحبّك و...
أنتظرك.