من حوار الياسمينة والعصفور (الحلقة الأخيرة)

سـوزان ضـو قرأها 1,658
 

من حوار الياسمينة والعصفور (الحلقة الأخيرة)

---------------سـوزان ضـو---------------

رغم جميع المحاولاتِ ظلَّ غيابه يطول في الزمان والمكان، وهي... اعتادته.

قرّرَت أن تعتاده، أن تشفق على ساعات انتظارها الطويلة بالاعتياد على... غيابه.

اختارت دفء حضوره في زمن الحضور. قطفَت منه لحظات الحلم. حملتْها في جذورها وقرّرَت الانتقال بها لتذروها بذوراً تُنْبِتُ حضوراً في زمن الغياب.

مَن سواه، حلمها بعودته، ساعدها على اجتياز عتبة الوحدة في حديقة انتظارها؟

DLastB1.JPG

-      أحبّكِ شعلة حبّ أضاءت عمري بوهجها.

أحبّكِ لأنك ألّفتِ مزامير حبّ تحوّلَت صلاة أتلوها أمامك.

أعشقكِ لأنك عرّفتني أنّ لمشاعرنا حقاً علينا.

أحبّكِ لأن كلمتك زيٌّ له جاذبية العشق.

من أكون لولاكِ؟

·       أنا؟ لا. حين أجدني مفرغة من كل أحاسيسي في غيابك، أكرهك.

أكرهكَ لأنني بدونك أفقد قيمة عطري ومعنى وجودي.

ألم تقل لي يوماً إن الكراهية هي الوجه الآخر للحب؟ أكرهك لأنّك أنسيتني كيف يمكن أن أُحبّ ما ليس له علاقة بنا.

-      وهل بقي في دنيانا ما ليس له علاقة بنا؟

·       لا شيء. صار الآخرون حجارةً في صورة بشر، والأمكنة صحارى اشتياق ولهفة لكل مكان كنّا فيه.

-      لكِ جمعت نبضات قلبي التي نبضت وتنبض وستنبض لتكون فيض غمر ليوم ستعيشينه بدوني.

·       بدونك؟ وهل من يومٍ بدونك؟

-      لا حبّ إلاّ ِإليكِ. لا وقتَ إلاّ لكِ. لا تظلميني باحتساب أوقات غيابي.

·       لم أظلمكَ أبداً. اعتدتُ السكوت على ظلم غيابك، وألِفت الصّمت كلّما ضربت أقدام رحيلك أرض حديقتي.

-      غيابي عنكِ ليس فراغاً منّا بل فراغي من الكلمات. أحاول الاهتداء إلى بعضها لأخبركِ عن ضياعي فلا أجد سوى الفراغ.

·       أنا أعيش على الكلمة لا على نطقها. أسامح كلّ ما ومَن يبعدكَ عني. هم يستعيدون أمكنتهم، وأنا أتمسّك بحدود سجني لا أكثر.

-      توجعني طيبتكِ ويغرقني حنانك في شعور غريب يحملني إلى حدود هجرانك نهائياً كي أعيد إليك حريّتك برحيلي.

·       لا. أنا أسامحهم على كل ثانيةٍ يأخذونها من عمري معك، لأنهم يضيفونها إلى عمرك معهم. لو لم يكونوا في حاجة إليها لَما أخذوها.

-      ثوري. إغضبي. قولي لا. لا تنضحي براءة وحباً بعد الآن. غادري طفولتك المنتظرة موسم العيد لتحصل على هديتها. اصرخي في وجهي.

·       سأفتح قلبي وأطلب منه السمّاح على كل حزن أصابه لأننا التقينا  في الزمن الخطأ. هو لا ذنب عليه، نحن أخطأنا.

-      إليكِ، في الأزمان جميعها، عيش كلماتي إليك لا قولها. أنا قرّرت الصّمت اليوم، سأحمل حزنك على جناحي وأهاجر إلى مكان لا يصله صدى حزنك الصامت.

·       فلتحمل معك نقاء الياسمين هدية بيضاء لما تبقّى من العمر.

-      شكراً لأنك منحتِني كل الحب، رسمت لي ركناً دافئاً أعود إليه كلّما جمّدني الصقيع. شكراً لأنك كنتِ الصدى.

·       أحبك كالفجر لحظةَ يعانق الياسمين فيأرج. "أحبّك" هي الكلمة التي جمعت غلّة العمر لتكون لك هدية العمر. فلترحل.

-       وهل عذاب فقدانك أرحم؟ كيف أسامح كلّ مَن اغتال الـ"نحن"، ولو بدون أن يدري؟

·       إن سامحتَ ربحتَ. أنا سامَحتُ. أطلقت عطري وسع الفضاء. قرّرت امتهان الصّمت في زمن الثرثرة، أعلنت الرحيل، وها مرساتي تعانق ضياع السفينة في بحر الحياة.

 وداعاً.

خيّم الصّمت.

انتهت الحكاية.

 DLastJ3.JPG

وهكذا، ذات فجر لم يشرق عليهما،

هاجر العصفور عائداً إلى وساعة حريّته، والياسمينة استسلمت إلى صمتها الأخير.

أقفلت باب الحديقة حتى في وجه النسَم.

أسدلت بتلاتِها على رحيقٍ اعتصر آخر الكلمات.

واستسلمت للنّوم...

نامت على حلم ظلَّ يرافقها حتى لحظة غيابِها الأخيرة.

DLastJ2.JPG 

من حوار الياسمينة والعصفور

فاتحة.. إلى قرّاء "جماليا"

(48)