من حوار الياسمينة والعصفور (25)
من حوار الياسمينة والعصفور (25)
----------------- سـوزان ضَـو-----------------
في غيابه (الذي صار أكثر إيلاماً) قرّرت أن تكلّم نفسها. جلست في فيء ذاتها، نثرت همساتها بصوت مرتفع.
لم تسمعه يصل. ماذا قالت؟ كيف فاجأها بالجواب؟
فلنصغِ إلى الياسمينة الحبيبة والعصفور العاشق في بضعٍ من لحظات الوحدة والحزن.
· أحِبّكَ حتى آخر شهقة حزن، منذ أول دهشة فرح. كلمة "أحبّك" لم تكن مرّة كلمة. اختصرت كلّ الكلمات. هنا تبدو الكلمة حياة، دمعة فرح، لحظة انتظار للحظة التالية، دمعة شوق للمرة التالية.
أحبُّك، رغم إحساسٍ بالغرق يخنق أنفاسي.
أحبّك، مع كل فجر جديد، مع كل لحظة قلق وخوف من كل ما ومن حولي.
أحبّك، مع كل ثانية أسرقها لألتجئ فيها إلى أمانك.
أحبّك بحجم عمري. ليت عمري ينتهي مع كلمة "أحبّك".
- من أجمل ما قلتِهِ لي، من أجمل الكلمات والألحان، من أصدق الاعترافات. أيُعقل أن يطلب قلبٌ من شريانه الانفصال عنه والابتعاد؟ مداعبتكِ تبدو كالإصرار فتشقيني.
· لشدّة الألم من جرح غيابكَ المتواصل في المكان، أنشِدُ الانفصال. لرهبة الخوف من نزف رحيلك المتواصل في الزمان، أنشِدُ الابتعاد.
- لن ننفصل. لن ترحلي. إن غبتِ سنغوص معاً في بحر هلَعٍ منسكب على بقايا عمر مُفرغ من علّة وجوده. أحبّكِ من خارج الزمان والمكان.
· لا يمكنك الانتماء إلى اللامكان. أنت روح الأمكنة جميعها. لا يمكنك الانتماء إلى خارج الزمان. أنت نبض الأزمنة جميعها.
- حِسُّ القلوب لا يخطئ: مع كلّ إغماضة عين أراني أحبّكِ أكثر. مع كلّ ثانية تعزف على عتبة عمري لحن الخطوة الأخيرة، أحبّكِ أكثر. مع كلّ خطوة في فضاء الآخرين، أراكِ وحدكِ جميعهم. أعشقكِ حضوراً وغياباً.
· لِمَ تأخذنا الطريق دوماً إلى حيث لا لقاء؟ أتراه قدرنا، حين نخطو أولى خطواتنا في الشقاء، أن ننهي رحلتنا فيه؟ من يملك الجواب؟ أين أبحث عن الجواب؟
- وحدكِ لديكِ الجواب. على طرقات طفولتكِ تجدين الجواب. خذيني إلى ضيعة الياسمين واللّوز، نتسلّل بين طرقاتها الضيقة، نبحث على أدراجها العتيقة. هناك طفلةٌ ذات فستان أبيض ومريول مدرسة، أضاعت من جيبها سلّة الأجوبة على كلّ تساؤلاتها. ليتها لم تغادر الضيعة.
· تعالَ معي في مشوار قصير إلى ضيعتي البعيدة. اشتقت إليها. ولكن... من بقي فيها اليوم ممّن أشتاقهم؟ أما زالت طرقاتها ضيقة وأدراجها متناثرة بين أشجار اللّوز؟ من أنا؟
- يا حبيبة العمر، أنت حبيبة سنوات استفاقت لتجد أن العمر قبل وصولها هباء. أنت حبيبة العصفور الذي جمّد الصّقيع جناحيه ومنعه عن الطيران كثيراً. أنتِ الحقيقة التي مَحَت بوصولها كلّ الزّيف، أنتِ... يا الـ المُنتَظِرةُ دوماً لحظة الإعلان عن الوداع بكلِّ الوفاء للانتظار.
· وهل أجدتُ يوماً غير الإعلان عن انتظارك؟ ها أنا أعلنه من جديد: أنتظركَ، لا تتأخَّر.
(1) – (2) – (3) – (4) – (5) – (6) – (7) – (8) – (9) – (10)
(11) – (12) – (13) – (14) – (15) – (16) – (17) – (18) – (19) – (20)