أقبل شباط مزمجرا، تصحبه ريح عاتية وسماء داكنة تتوارى نجومها تباعا خلف زحف الغيوم الآتي من بعيد. تهدأ حدة الريح مع اقتراب الفجر ويذوي صفيرها، ليصبح أنينا تنثره رذاذا يبشر بأول الغيث. يسرع الخطى متلفعا بملابسه الثقيلة.. يلاحقه خوف من أن تباغته السماء بسيلها..…
لا يذكر ختيارية البلد حادثا شبيها مثل ما جرى خلال الأسابيع الأخيرة، الحياة الرتيبة توقفت. التساؤلات كثرت. امتلأت الحارة بالغرباء. سيارات من كل الألوان والأنواع مع صحون كبيرة على سقفها. الكل يتساءل ما الذي حدث؟ هل هي حرب جديدة؟ الأولاد يقولون أن هذه الصحون هي…
في إحدى سفراتي المهنيّة الى الجنوب التونسي، أراد زميلي الظريف جمال حمدي تهوين بعض مشاق السفر، فطفق يروي لي آخر ما بلغه من نوادر ونكت، حتى وصل به الحديث الى ذلك اللئيم الذي مثل وصاحبه بين يدي السلطان فقال له الأخير: "تمنّ ما تشاء، و لكن اذا تمنيت شيئا فسأهب…
ترك المكان أشلاء متناثرة.. تنهشه الهواجس وتحاصره الأسئلة، كان أخطرها الدافع وراء سلوك المرأة معه، هل رأته صيداً سهل المنال قد يعوضها بعض الذي تفتقده في زوجها العجوز، خصوصا أنها في هذه السن لن تجد من هو في سنه للقيام بالمهمة، أم عساها مدفوعة من قبل الأمن…
اقتربت الحافلة من ساحة البناء، فاتجهت الأنظار صوب المراقب الذي وقف بباب مكتبه متحفزا، نظر إلى ساعته لحظة أن أطلت ثم إليهم ، فكاد وهج نظراته أن يلفح وجوههم ، ثم هز رأسه متوعداً. - صباح الخير. قال أحدهم وهو يهبط من الحافلة قاصدا المخزن. - صباح الزفت. رد…
المحامية لهيب كشمش إحدى ضحايا ديكتاتور العراق سيء الذكر صدّام حسين، وقصتها باختصار تبدأ من أحد حراس صدام حسين الشخصيين ومتذوق الطعام الخاص به، واسمه "كامل حنا ججو"، الذي عرَّفَ صدام بـ"سميرة الشهبندر"، التي أصبحت فيما بعد الزوجة الثانية لصدام ما اعتبره عُدي،…
ما زال الظلام يلف القرية بردائه الموحش ورياح الشتاء الباردة يشتد وقعها في مثل هذه الساعة من الفجر. الشوارع خالية.. موحشة.. تغشاها رهبة وصمت يخيم على جنباتها.. ف يما الخلق نيام..غارقون في سباتهم وقد هدهم شقاء يوم طويل، فتمضي الساعات ثقيلة مرهقة، كأنها الموت..…
*الثلاثاء: أيقظه رنين جرس الباب المزعج. الطارق على عجلة من أمره، لم يجد غير ساعي البريد يمتطي صهوة دراجته النارية، ويغادر. لم يسأله إن كان الطارق، التفت ناحية البيت المجاور، ظنّ أنه أخطأ في العنوان. أحصى ذهنيّا من ينتظر مراسلاتهم.. مجلة وعدت بإرسال ثلاثة نسخ…
التقى مع صديقه جميل، تعانقا بمودة وشوق. - اشتقت لك يا جميل.. تمضي السنوات بسرعة ما أروع اللقاء بك بعد هذا الإنقطاع الطويل. - لا شيء يوقف الزمن الملعون. انا أيضا اشتقت لك يا طوني ولأيامنا الماضية، ليتنا نعود تلامذة مدرسة لا نحمل الهم ولا نعرف الغم. -أراك غاضباً…
النظرات في عيني الطبيب لا تكذب، رغم ان كلماته لم تنقل ما ينعكس في عينيه. لو قال بوضوح ان الحالة ميئوس منها، لما فاجأ أحد من أهل البيت، كان واضحاً ان مرض أب البيت في مراحله الأخيرة.. رفض أن يموت في المستشفى.. وأصر ان يموت في بيته. كان يفلسف اقتراب موته بقوله ان…
1 - حمَّامٌ ساخن! قال الكبيرُ: حمّموه! أبقوا عليهِ أشياءه الماكرة: شعرَهُ المنفوش، أسمالَهُ، وحذاءَهُ العتيق! عيونُ الجدرانِ كانت ذاهلة؛ وهو يتفتتُ؛ قبل أن يقفلوا غطاءَ حوضِ حمضِ الأسيد! *** 2 - لو كان رجلا! دفعه عن صغاره؛ فلم يبتعدْ، أرداهُ بالرصاص؛ فلم يمتْ،…
أدركت أن أجلها اقترب، وأن الأمنيات بحدوث تحول في وضعها الصحي قد تلاشى تماما. فاسْتَسلمت، أو خَضَعت بلا إرادة، وبلا شكوى، تنتظر، أو لا تنتظر، أن تغيب عن ذاتها ومحيطها، متسائلة كيف ستكون لحظة إغماض العينين للمرة الأخيرة في هذه الحياة التي لم تمهلها طويلا؟…
لم يكن قد مضى على وجوده في هذه الحياة أكثر من شهور أربعة. خلال تلك الفترة عشت أجمل أوقاتي معه – شاركته أحلامي، حدثته بمشاريعي مع أني كنت أعلم أنه لا يعي ما أقول، ولكني كنت أعلم أنه يسمعني. شاركته إحساسي، عشت نعومته، استنشقته وملأت رئتي بعبيره. شاطرته أحزاني…
1 – حصانة! صار فدائيا؛ فخلع نعله الممزَّق، ثمَّ شيَّد قصرًا في مدخل المخيمِ؛ وقد تألق! ** 2 – طُرُق! للثورة بابُ ولوجٍ، ولها مخرجان؛ الأولُ: حساباتُ بنوكٍ! والثاني: أعتابُ قبورٍ تتلألأ! ** 3 – رفاق! دخلا الثورة اثنين، وخرجا اثنين؛ الأولُ دومًا مُزهوًّا…
على سلكِ الحدود رصدتُهُ؛ فلوَّحتُ أستجير، غابَ في الشمس؛ ثمَّ عاد كحريق، رفَّ فوقي مثلُ نجمةٍ؛ فرفعتُ كفيَّ ألقاه؛ أسقطَ عودَ زيتون؛ عرفتُ أمَّهُ؛ ووقعتُ أبكي من شذاه!
بدأت القصة مع التكليف الذي تلقيناه صباح ذلك اليوم. وكنا –أنا وحلمي– نشرف على الصفحة الثقافية بجريدة "الوحدة". نجلس في حجرة واسعة تطل نافذتها على شارع عريض، فيها مكتبان متواجهان، ونقوم بكل ماتحتاجه الصفحة ماعدا تغطية المؤتمرات خارج العاصمة. معنا، لكن على كرسي…
أعددت مفاجأة لزوجتي. قلت لها ان لا تعد هذا المساء أي لون من الطعام، فانا سأدعوها الى مطعم فرنسي فاخر. سألتني باستغراب لا يخلو من استهجان: - هل فزت في الياناصيب الذي تصرف علية ربع معاشك؟ نفيت أي فوز وأخبرتها انها مفاجأة. نحن متزوجان منذ عقدين كاملين، وحان الوقت…
لم يطرأ تغييرٌ لافت على حرم جامعة حيفا. بعد أكثر من ثلاثة عقود عدت إليها أبًا يصاحب "جناه" في يوم تخرّجها وحصولها على شهادة البكالوريوس. بجانبي مَشَت، وعلى الرغم من أنٌها اعتادت إخفاء سعادتها بوجود أفراد عائلتها وبعض من صديقاتها المقرّبات، إلّا أنني لمست…
لأبي الفوارسِ قبورُ القبيلةِ كلّها، لهُ الثريد، ولها الوعيد، وسيوفُهُ في أهلِها أذرعٌ دوما تصيح! لكنّ شيئا واحدا ليس له؛ فهو في كل ليلٍ على طرفِ السريرِ ينثني؛ ومن نظراتها مثلُ طيرٍ قد وقع؛ يرتعش! أبو الفوارس.........!
روايةُ رائحة القرفة للكاتبة السورية سمر يزبك من أجملِ الروايات القليلة التي قرأتها مؤخَّراً وأعجبتُ بها كثيراً لما تحتويهِ من خميرةٍ لغويَّةٍ مرَّكبة ولأنها قبلَ كلِّ شيء تنتمي إلى تلكَ الرواياتِ الرائعة والمكتوبةِ بجرأةٍ نادرةٍ وشجاعةٍ إنسانيةٍ عجيبة. فهيَ…
حين تكتب المرأة فإنها لم تصبر على ما أصابها فحسب بل شربت كأس الدهر مراً و لأنها المرأة فقد أينع و أثمر ** لكل بداية بذرة نهاية و لكل نهاية بذرة بداية ** ناطحات سحاب تقول الحفريات الجديدة و من بعض الكتب الممزقة والمحترقة المصفرة اللون التي وجدت تحت أطنان من…
إنهم يدفعونكِ بسرعة، ربما قد تعودتِ على تلك السرعةِ أثناء قيادتكِ لسيارتك بتهورٍ شديد، ولكنكِ في هذه اللحظة لا تريدين أن يفعلوا هذا الأمر، تحاولين أن تخبريهم بأن معدتك تؤلمك، وأنك سوف تتقيئين بعنف، تحاولين إشعارهم بأن هناك خطباً ما.. نعم هناك خطب ما في…
_ لا تلوموني لأني اتحدث عن الموت فحسب فإني لم أر سواه منذ الطفولة. ** بعيداً عن الجبال جسده بالغ الثقل كحجر برقبة غريق وعيناه تفقدان قدرتهما على الرؤية لحظة فأخرى. تحت أصابعه المرتجفة بدت أخاديد وجهه المشوه أشد عمقا من سابق عهده بها. أغمض عينيه وهو يبتلع…
**لملم انغمس الأستاذ بسام بقراءة جريدة في غرفة المعلمين، وعلى حين غرة انفجر ضاحكا وقال لزميلته إخلاص: - هل تعرفين ما يسمى باتحاد النساء في أفغانستان؟ - لا! - لملم حريم! صرخت إخلاص في وجه زميلها بسام وقالت: - انتم الرجال، تسخرون دائما من النساء وتخترعون الكلمات…