نذالة!!

حمادي بلخشين قرأها 786

في إحدى سفراتي المهنيّة الى الجنوب التونسي، أراد زميلي الظريف جمال حمدي تهوين بعض مشاق السفر، فطفق يروي لي آخر ما بلغه من نوادر ونكت، حتى وصل به الحديث الى ذلك اللئيم الذي مثل وصاحبه بين يدي السلطان فقال له الأخير: "تمنّ ما تشاء، و لكن اذا تمنيت شيئا فسأهب رفيقك ضعفيه، فقال اللئيم: "أفقئوا عيني في الحال!" كل ذلك، حتى يصير صاحبه أعمى!

ما إن أتمّ صاحبي طرفته، حتى دوّت من خلفنا ضحكة صاخبة.. حين التفتنا الى مصدر الصوت، رأينا رجلا عظيم الهامة متين البنيان خط الشيب عارضيه.. كان يضحك ملء شدقيه، لكنه سرعان ما قطع ضحكه ليحتلّ ملامحه عبوس طارئ أعقبته زفرة حادّة.. بقيت وصاحبي واجمين، لم ندر أنعجب من عظم هامة الرجل أم من سلوكه الغريب وتحوله المفاجئ من الانبساط الى الانقباض، ومن الضحك الي العبوس الشديد.

كان الرجل يحتل الكرسي الخلفي من الحافلة.

صاح به زميلي جمال حمدي :

ـ تعال يا عمّ أجلس معنا.

حين نهض الرجل من مكانه راعنا طوله.. كان عملاقا حقيقيا. ولما اقترب منا هالنا رؤية هامته وقد كادت تلامس سقف الحافلة. أما حين صافحنا فقد طال تعجبنا من ضخامة يده ( كانت يدي في يده كيد مولود جديد في يد شخص بالغ!).. حيّانا بأدب جمّ لم يكن ينتظر ممن كان في فظاظة مظهره ورثاثة ثيابه.. قدّم نفسه بلهجته البدوية:

ـ عمكم منصور الهوّاري. أصيل مدينة قابس.. لكنني أقيم في الكريب، تاجر خضر في سوق أسبوعي. عندي. ولد واحد في سن الرابعة عشر.

سألته باسما:

ـ ما شاء الله، أهو في مثل بنيانك الهرقلي؟

أجابني ضاحكا:

ــ هو الآن في مثل قامتي غير انني لا ادري بما تفاجئنا به الأيام!

كان صاحبي جمال أكثر مني جرأة، لأجل ذلك بادره قائلا :

ـ أخبرني عم منصور، ما السرّ في تحوّلك الفوري من الضحك الى العبوس، ومن البهجة الى الحزن؟
أطلق عم منصور زفرة حرّى ثم قال:

ـ ذكّرتني طرفتك عن النذالة بمأساة حقيقيّة كنت أحد شهودها.

سكت عمّ منصور طويلا، حرّك رأسه يمينا وشمالا، تنهد ثم قال:

ــ لقد وددت، والله على ما أقول شهيد، لو كسرت رجلاي أو دقت عنقي وكنت في عالم الأموات حتى

لا أشهد تلك المأساة.

قال ذلك، ثم أخرج علبة سجائر من النوع الرخيص.. عرض علينا سيجارتين، لكننا اعتذرنا شاكرين"نحن لا ندخن" هكذا قلنا له.

دسّ عم منصور سيجارته بين شفتيه ثم قال:

ـ هنيئا لكما يا ولديّ. ثم وهو يبحث بين ثنايا ثيابه عن علبة الثقاب:

ـ لعنة الله على هذه الحشيشة الكلبة، فقد كانت وراء كل ما حدث في ذلك اليوم.

حين إستأذننا عم منصور في التدخين، خجلنا من قول لا، خصوصا وأن السائق الذي كانت تعلو رأسه لافتة كبيرة كتب عليها "ممنوع التدخين" كان يدخن بشراهة!..غير أن صاحبي جمال حمدي استأذن في فتح النافذة لتحديد أضرار النفثات المرتقبة.. أشعل عم منصور سيجارته أخذ منها نفسا عميقا، ترك الدخان يتسرب من منخريه ثم قال:

ـ حدث ذلك في سوق بلدتنا.. كان ذلك منذ عقد من الزمان، في رابع أيام شهر الصّيام المعظم.. كان الوقت قبيل العصر بقليل، وكانت أعصاب الجميع: باعة و حرفاء جدّ متشنجة بفعل الامتناع القهري عن التدخين.. كان الجوّ المتوتر يذكّرك في كل لحظة وحين بالمثل الشعبي القائل "اذا بغيت البلاء من غير أصل، كلّم الصائم وقت العصر".

لكزني زميلي جمال حمدي ثم قال لي مهددا:

ـ تذكر هذا المثل جيدا، فبعد أقل من شهرين، سيحلّ شهر الصيام!

استمر عم منصور:

ـ لما كان حسونة بن رابح من أكثر الباعة إدمانا على هذه الحشيشة الكلبة، فقد كان أكثرنا توترا وأشدنا قابليّة للإنفجار، لأجل ذلك كنا نحاول تجنبه قدر المستطاع. كان حسونة بن رابح قد دأب منذ عرفته على التخصّص في بيع اللبن و مشتقاته في كل مناسبة يحلّ فيها الشهر الكريم.

توقف عم منصور قليلا كي يدرك سيجارته قبل أن تخبو، أخذ منها نفسا طويلا ثم طفق يقول:
ـ رغم فظاظة الرجل وفقدانه الكليّ لأدب التعامل مع الحرفاء، فقد عرف والحق أجدر بأن يقال، بنزاهته ونظافة يده وبعده عن الغشّ والاحتيال. لأجل ذلك كان غضبه شديدا وثورته جامحة حين مثل أمامه شابّ حديث السنّ زاعما أنّ اللّبن الذي اشتراه منه بالأمس كان مغشوشا، مما نتج عنه تبادل شتائم تلاها تشابك بالأيدي كاد ينتهي بما لا يحمد عقباه، لولا تدخل أهل الخير.

نزع عم منصور طربوشه، حكّ رأسه الأشيب ثم قال:

ـ كان حسونة بن رابح لا يزال تحت تأثير غضبه من الشاب السالف الذكر، حين أقبل عليه عمّار البرني: رجل في الخمسين صاحب متجر كبير لبيع الأقمشة.. رغم غنى عمار البرني، فقد اشتهر ببخله الشديد هذا بالإضافة الي ثقل دمه..

سكت عم منصور قليلا اطلق زفيرا حادا ثم اضاف:

ـ ما لم نكن نعرفه عن عمار البرني قبيل الحادثة، انه كان نذلا من الطراز الأول.

حين توقفت الحافلة في محطة فرعية، توقف عم منصور قليلا ليفيدنا بان حادثا مروعا قد حصل أول أمس قرب مكان توقفنا.. لاحظنا بدورنا وجود شاحنة مقلوبة... حين انطلقت الحافلة من جديد اندفع عم منصور يقول:
ـ طلب عمار البرني لترا من اللبن، فلبي طلبه فورا. ما ان حصل اللبن بين يديه ثم علم ان ثمنه قد زاد عشر مليمات، وهو مقدار زهيد كما تعلمان، حتى رفض دفع تلك الزيادة الطفيفة.. ارتفع الصراخ بين البائع و المشتري حتى جمع الناس حولهما..كان حسونة بن رابح يصيح كمن به مسّ من الجنون:"والله لن تذوق لبني ولو دفعت ثمنه مضاعفا". وكان الحريف يردّ بكل خسّة، (خصوصا و هو الغني الموسر):" والله لأذوقنّه غصبا عنك. وبالثمن الذي أريده!"

تنهد عم منصور ثم قال بلهجة حزينة:

ـ رغم محاولتي إقناع الحريف عمّار البرني بأنّ الزيادة قانونية، فقد رفض تصديقي وأصرّ على موقفه، كما رفض أيضا ( وعلى غير عادته) تطوّع أحد الحاضرين بتسديد الفارق موضوع الخلاف، وكان موقفا عجيبا من ناحيته!

ضحك زميلي جمال حمدي ثم قال موجها خطابه لعم منصور:

ـ اسمح لي على المقاطعة، فعلا هو موقف عجيب اذا صدر من بخيل، وقد ذكّرني هذا بموقف يهودي واسكتلندي
خبط زميلي جمال حمدي فخذه بكفه، شرع يضحك، ثم واصل:

ـ ذات مرة سأل محقق أحد الشهود: ولكن كيف عرفت ان اليهودي والأسكتلندي كانا في حالة سكر حين مرّا بك؟ أجاب الرجل: لأن الأول كان يلقي بحافظة نقوده وكان الثاني يرجعها إليه في كل مرّة!
ضحكت طويلا لطرفة زميلي جمال غير ان عم منصور ظل صامتا، مما حمل زميلي جمال حمدي على الاعتذار حين لمس جديّة الرجل وتأثره بما كان بصدد روايته.

ما ان فرغت من ضحكي حتى طفق عم منصور يقول:

ـ حينئذ اشتعل غضب حسونة بن رابح، انفلت نحو حريفه وهو يصيح: "بل أسكبه على الأرض ولا تشرب قطرة منه". حلت بين حسونة بن رابح الذي اندفع كثور هائج وبين الوصول الى حريفه اللئيم، خشيت أن يتصادما. ويا ليتني لم أفعل.

القى عم منصور بعقب سيجارته على أرضية الحافلة، سحقها بقدمه. مسح شاربه بكفه الأسطورية ثم قال بنبرة يغلب عليها الحزن والأسى:

ـ كنت مسيطرا على حسونة بن رابح حين كان يحاول دفعي وهو يصيح بغريمه "أم أولادي طالق لو شربت من لبني قطرة واحدة".

كان الحريف النذل على بعد مترين منا بفعل تكاثر الناس من حولنا وإجتماعهم علينا، حين بلغني صوته من ورائي وهو يقول لمن حوله: "هل تشهدوا يا رجال أنّ زوجته طالق لو شربت منه قطرة واحدة"؟ صاح به حسونة بن رابح وهو يجاهد كي ينفلت من قبضتي:

قاطعه زميلي جمال ضاحكا:

ـ سامحك الله يا عم منصور، ومن يستطيع الإفلات من قبضتك؟..

ثم اردف مقهقها:

ـ أراهن بحياتي أن مايك تايسن نفسه يعجز عن ذلك!

تأثر عم منصور منعه من إبداء أي تعليق عما قاله زميلي جمال حمدي، لأجل ذلك استمر يقول:
ـ صاح حسونة بن رابح وهو بين يديّ "أم أولادي طالق ثلاثا لو شربت منه قطرة واحدة!"
في تلك اللحظة الكارثية بلغتني همهمة سرت بين الحضور لم أميّز منها إلا حوقلة البعض وتكبير البعض الآخر!.. قبل أن أتمكّن من الإلتفات ورائي، قرأت المأساة على وجه أسيري الذي تحوّل في لمح البصر من حمرة الغضب الى صفرة الموت، قبل أن يتهاوى بين يديّ كجثة هامدة.

زفر عم منصور زفرة حرّى، إستغفر الله العظيم مرتين، سكت بعدها طويلا، أخرج من جيبه سيجارة أخرى، تنهد ثم قال:

ـ حين التفت ورائي، رأيت النذل الأعظم ملطخ الشاربين باللبن!

صحنا بصوت واحد:

ـ هل شرب اللبن؟!

طأطأ عم منصور رأسه، حركه مرتين ثم رفعه وقد كست وجهه سحابة حزن:

ـ أجل يا ولديّ! ثم معقبا:

ـ لقد ضحّى النذل بفطر يوم في رمضان من أجل خراب بيت الرجل وطلاق ام أولاده!
عقدت المفاجأة لسان زميلي المهذار جمال حمدي إلى حد الزمته الصمت! في حين قلت متعجبا:
ـ لم اكن أتصور قط ان تبلغ النذالة بانسان ما إلى هذا الدرك الأسفل.

استمر عم منصور بلهجة متاثرة بحزنه العميق:

ـ حينئذ غلت الدماء في عروق عمكم منصور.. نثرت ما كان بين يديّ من رجال كانوا يحولون بيني وبين ذلك النذل ثم اندفعت نحوه.. قبل أن أصل إليه، دوّى صوت المؤذن لصلاة العصر، بيد أن ذلك النداء السّماوي لم يحل بيني و بين قراري.

هتف صديقي جمال حمدي مستعجلا:

ـ ماذا قررت يا عم منصور؟

اجاب عم منصور وقد سرح بصره:

ــ لقد حدّثني أمّارتي بالسّوء، إنّ قتل ذلك النذل هو أفضل ما يمكن أن يتقرّب به عبد مؤمن الى ربّه في الشهر المبارك!

كنا نضحك حين تابع عم منصور متجهما:

ـ لأجل ذلك لم أشعر إلاّ بيسراي وهي تقتلع النذل من الأرض وترفعه عاليا في مستوي كفيّ المرتجفة.
سكت عم منصور لحظات سمعنا خلالها نفسه وهو يتردد بين جنبيه في حين أخذ صدره يعلو وينخفض من شدة تاثره حتى كانه يعيش الحدث الجلل ثانية. ما إن هدأ قليلا حتى استمر قائلا:
ـ لحظة هممت بلطمه، تذكرت ثكل أمّي وغربة إبنة عمّي وتشرّد ولدي من بعدي، فلعنت الشيطان الرجيم.
ضحك زميلي جمال حمدي ثم قال معلقا:

ـ خيرا فعلت يا عم منصور.ثم معقبا:

ـ لقد وفّرت على الداخلية التونسية مشقة صنع مشنقة إستثنائية ستظل معطلة من بعدك!
استمر عم منصور يقول:

ـ لكن قلبي لم يطاوعني على ترك النذل يذهب ببلاش قلت في نفسي "جعل الله بلاءه على غير يديّ !" لأجل ذلك اكتفيت بلطمه كما تعودت لطم ولدي الصغير وأنا أهارشه! لكنني لم أتصوّر قط أن لطمتي ستبيقه رهين العناية المركّزة!

سأله زميلي جمال حمدي مستحلفا :

ـ كم بقي هناك بالله عليك؟

لأول مرة منذ شروعه في سرد المأساة، تبسّم عم منصور ثم اجاب:

ـ لقد لطمته في الرابع من شهر الصّيام، فلم يفق إلاّ مع رجوع آخر حجيج قريتنا من بيت الله الحرام!

كنا مغربين في الضحك حين واصل عم منصور يقول:

ـ لقد ظل النذل أربعة أشهر وهو يصارع الموت قبل أن يثوب الى وعيه!

سكت قليلا ثم اضاف:

ـ كما مكثت في السجن ثلاثة أضعاف ما قضى وبش الأوباش في غرفة الإنعاش!

جنبكم الله الأنذال و أعاد رمضان عليكم وأنتم في أسعد حال.