عدوّ ! – قصة قصيرة
كان الجوّ ساكناً والبحر هادئاً، ولم يكن يسمع غير نباح كلاب يأتي من بعيد... التوجس والقلق يسيطران على الجميع، هل تشكل هذه الليلة حدّاً فاصلاً بين الخصاصة والغني، والذلّ والكرامة، والعبودية والحريّة، أم تكون فاتحة مرحلة أسوأ؟. كان من المنتظر أن يكون الجميع على سطح المركب منذ ساعة على الأقل، لولا تلقى الربّان مكالمة هاتفية ترجمها للحضور بقوله:
ـ الصبر طيب يا شباب... علمت في التوّ، أن الضابط المكلف بخفر السّواحل قد غيّبه عذر قاهر، أدعوا الله يا شباب أن يكون البديل مرتشياً!، فدعوة المسافر لا تردّ. قال جلّ شأنه وتعالى ذكره: (أمّن يجيب المضطر إذا دعاه، ويكشف السّوء) صدق الله العظيم، وبلّغ رسوله الكريم، والله ما أخرجكم من أرضكم، ولا أزعجكم عن عشكم، ولا زهدكم في أحبّتكم، رغبة في إضافة مليون دينار الى مليون دينار، ولا دار الى دار، ولا مرسيدس الى جكوار، ولا صاحبة، إلى أخرى ذات شوار، بل أخرجكم الجور والاضطهاد، وسوء الإدارة وكثرة الفساد، مع فقر ملازم، ويأس متفاقم، وقيادة لئيمة، وبطالة قديمة، فما منكم يا ولداه، إلا حامل ماجستير أو دكتوراه!".
أخذتني سنة من النوم أفقت بعدها على همهمات تسري بين الجميع، وصوت الربّان يجلجل:
ـ هبّوا يا شباب، آن لكم خوض العباب. فقد قبلت دعوتنا، وقبضت رشوتنا.
حين استوينا على المركب، قام الربّان فينا خطيباً:
ـ اللّهم انهِ الرحلة الى برّ الأمان، واجعل مستقرَّنا أحضان فيكتوريا وحجر سوزان، ولا تسلِّمْنا الى قاع المحيط، أو الى الاعتقال والتخبيط. الله أكبر، تماسكوا ياأحفاد طارق بن زياد، من عاش منكم عاش منعّماً سعيدا، ومن مات منكم مات حميداً شهيدا، أبحروا على بركة الله، البحر أمامكم، والعدوّ وراءكم!.
أوسلو 11 جوان 2009