تطيّر

حمادي بلخشين قرأها 1,022

-1-

كان الجوع قد برّح بي، حين عاينت على الحصباء آثار دماء.." لعلّها طريدة قد أفلتت من قانص" هكذا حدّثت نفسي.. حين أمعنت في تتبع آثار الدّماء، انتهيت إلى غار، ما إن توغلت فيه، حتى صعقني دوّي فزلزلة.. حين أستعدت وعيي، أبصرت مدخل الغار وقد سدّ دوني.. حين تمالكت نفسي، أستويت قائما... كنت كلّما تقدّم بي المسير في الغار، تكاثرت الدّماء من حولي، حتى تحوّلت إلى نهر يجري من تحتي.. ظللت أخوض في الدّماء وبي من الرّعب والهلع ما الله به عليم، حتى أدركت بوّابة خشبيّة متآكلة، كتب عليها، وبخطّ رديء: "سجنان".. حين دفعت البوّابة، ألفيت نفسي أمام بنايتين كئيبتين كتب على إحداهما "سجن1"، وعلى الأخرى "سجن 2"، وبين البنايتين، ممرّ إجباريّ ممتدّ ينتهي بستارة سوداء مسدلة.. كان الممرّ ضيّقا لا يكاد يتّسع لشخص، لأجل ذلك عبرته بشقّ الأنفس.. ما ان أدركت السّتارة ثم رفعتها، حتى طالعتني بيداء مترامية الأطراف، كثيرة الحصباء، ملتهبة الحرارة لا أثر فيها لحياة.. بعد مسير دقائق يائسة، هبّت عاصفة رمليّة، فعمدت الى قميصى فاتخذته لثاما ثم لجأت إلى ظلّ صخرة وقد أيقنت بالتهكلة.. بعد سويعة أو تزيد، وحين هدأت العاصفة، وفيما كنت في موضعي ذاك، مرّ بي راكب مقنّع، ما إن استوقفته بإشارة من يدي، حتى توقف ثم أناخ راحلته، كاشفا عن وجه شديد القبح رغم بياض بشرته وزرقة عينيه وشقرة لحيته القصيرة، ما ان كشفت له عن وجهي، حتى ظهرت على محيّاه علامات الغبطة والبشر.

كنت أتامل زخرفة ثيابه التي ذكّرتنى بالمسلسلات التاريخيّة، حين غادر الرجل راحلته، كان شديد القصر، قميء الجسم.. بعد أن أطال نفض ثيابه بما علق بها من وعثاء السفر وحبّات الرّمال، تناول قربة ماء بسطها نحوى ثم ضمّها اليه وهو يسألني:

ــ ما أسم جميل المحيّا؟!

ــ سالم.

سألني القادم وقد زاد إشراقا:

ــ سالم ؟.. أحقا ما تقول؟

ـــ أجل. أنا سالم بن رشيد الفرحاني.


قفز الرجل ملوّحا بذراعيه ثم صاح جذلانا:

ـــ فرح ورشد وسلامة؟ هذا فأل حسن!

كنت أتأمّل نقش سيفه القصير النجاد حين قدّم لي القربة سائلا:

ــ أخبرني يا طالع السعد

ـــ...
ـــ من أي بلد قدمت؟

أجبته وأنا ألتقم القربة:

ــ من تونس.

صاح فرحا:

ــ الله.. الله.. أنس وسلامة!

سكت محدثي قليلا ثم أضاف سائلا:

ـــ ومن أي بلد من تونس؟

أجبته ولكن ليس قبل أن آخذ كفايتي من الماء:

ــ من بلدة" منزل جميل ".

كبّر الرّجل مغتبطا.. قلب وجهه القبيح في السماء ثم اردف متعجبا:

ــ نزل وجمال وأنس وفرح ورشد ؟! هذا والله أكثر ممّا آمل.

ما ان استقرّ جالسا ثم شرع يعالج قربة الماء، حتى سألته بدوري وقد رابتني هيئته:

ــ من الرّجل وأين مقصدك؟

مسح الرجل فمّه بظهر كفه، ثم فاجأني قائلا:

ــ أنا ابن الرّوميّ الشاعر. ووجهتي كربلاء!


صحت من فرط دهشتي:

ــ أتعني الشاعر المشهور؟!

ــ أجل!

سألت غير مصدّق:

ــ من قال عنه ابن خلّكان:" صاحب النظم العجيب، والتوليد الغريب الذي غوص في المعاني فيستخرجها من مكامنها ويبرزها في أحسن صورة"؟

ضحك الغريب ثم قال مؤيدا:

ـــ أنا من سمّيت.

كنت أتطلع إليه مستغربا حين كشف عن رأسه، حكّ شعرا أشيبا لا يتناسب وعمره، ثم أضاف مفتخرا:

ـــ وقد نال بشّار والمتنبيّ فخر ضمّهما إلى طبقتي!

صحت من فوري:

ـــ ان كنت صادقا، فأنشدني رائعتك " بكاؤكما يشفي" في رثاء محمد.. ولدك.

ضحك الرّجل طويلا.. لكنه سرعان ما توقّف ليفسح المجال لسحابة حزن كست وجهه الذي خلا من كلّ وسامة.. زفر بشدّة، أسبل جفنيه ثم طفق منشدا:

بكاؤكما يشفي وإن كان لا يجدي
فجودا، فقد أودى نظيركما عندي
بنيّ الذي أهدته كفّاي للثــــــرى
فيا عزّة المهدى ويا حسرة المهدي
ألا قاتـــــل الله المنايا ورميها
من القوم حبّات القلوب على عمد
سكت الرجل قليلا.. مسح دمعة ثم استمرّ :
توخّى حمام الموت أوسط صبيتي
فللّه كيف أختار واسطة العقد
على حين شمت الخير من لمحاته
وآنست من أفعاله غاية الرّشد
طواه الرّدى عنّي فأضحى مزاره
بعيدا على قرب، قريبا على بعد
لقد أنجزت فيه المنايا وعيدها
وأخلفت الآمال ما كان من وعد

لقد قلّ بين المهد واللّحد لبثه
فلم ينس عهد المهد إذ ضمّ للّحد


إلى أن أدرك قوله الأشهر:

وأولادنا مثل الجوارح أيّها
فقدناه كان الفاجع البيّن الفقد
لكلّ مكان لا يسدّ اختلاله
مكان أخيه مــن جزوع ولا جلد
هل العين بعد السمع تكفي مكانه
أم السمع بعد العين يهدي كما تهدي

ما ان فرغ من انشاده حتى سألته متوجّسا:
ـــ أانت عليّ بن عبّاس بن جريج، مولى عبد الله بن عيسى
أتمّ الرجل مؤيّدا:
ــ مولى عبد الله بن عيسى بن جعفر البغداديّ.

كانت ضآلة الشاعر تؤيد قوله، خصوصا وهو القائل :

أنا من خفّ وأستــــدقّ
فما يثقل أرضا ولا يسدّ فضاء!

كما كان قبح وجهه يشهد له بالصدق، كيف لا وهو القائل :

شغفت بالخرّد الحسان وما
يصلح وجهي إلاّ لذي ورع
كي يعبد الله في الفلاة
و لا يشهد فيها مساجد الجمع!

رغم كلّ ذلك فقد أعلنت مكابرا:
ــ لا أصدّق أنكّ هو..
حين عاينت دهشته أضفت مبرّرا:
ـــ بل يجب عليّ أن لا أصدّق أنك هو.
ضحك الرجل ثم سألني مستوضحا:
ـــ مالذي حملك على تكذيبي؟!


أجبته محاجّا:

ـــ لأن ابن الرّوميّ "الحقيقيّ" شديد التطيّر والحذر، ولا يمكنه، مهما كانت الحوافز والإغراءات، وبأي أي حال من الأحوال، أن يرحل طائعا مختارا إلى بلد قد جمع الكرب والبلاء في مسمّى واحد.

كان ضحك الرجل قد تحول الى نوبة سعال حين أدركت قولي:

ـــ فقد كان من دأب الرجل كلّما همّ بمغادرة بيته، النظر في ثقب الباب فان اتفق ذلك مع مرور جاره الأعور، عدل عن الخروج تطيّرا.. ولأيّام ذوات عدد!

حين كنت على علم بالمصائب التي تتالت على شاعر حسّاس من خلقة مشوّهة، وضياع ممتلكات، وفقدان أهل وولد، حتى أصبح (وكما وصفه المؤرخون)" مضطرب الحياة، غريب الأطوار، خاضع للوهم والخوف، يتوقّع السّوء دائما"، فقد كفاني علمي سؤاله عن دواعي تطيّره لأجل ذلك واصلت:

ـــ وقد بلغ به التطيّر ذات مرّة، إلى حدّ الإصرار على عدم فتح بابه في وجه طارق اسمه "إقبال"، بعد أن أفادته بديهته العبقريّة، بان كلمة "لا بقاء" هي النتيجة التي سيسفر عنها قراءة اسم الطارق مقلوبا!

ضحك ابن الرّومي طويلا، مسح لحيته الخفيفة ثم قال موافقا:

ــ صدقت يا سالم، فما كان لي أن أقدم على هذا المركب الصّعب والمخاطرة الكريهة، لو لم أخيّر بين جدع وخصاء.

ــ...؟!
ـــ أي لو لم يبّلغني صديق ناصح عن عزم الوزير القاسم بن عبيد الله سفك دمي، إن انا رفضت إستلام عملي الجديد كمستشار ثقافيّ لدى أحد عامليه في كربلاء أو حضر موت!

ــ...!!
ـــ لأجل ذلك أخترت كربلاء أيّها الأغرّ!

ـــ...؟!!
ـــ رغم ما عرف عنّي من تطيّر وسوداويّة!

كنت أضحك ملء شدقيّ، حين استمرّ موضّحا:
ـــ وذلك عملا بقاعدة و"عند ذكر العمى يستحسن العور" !

بعد تجاوزي نوبة ضحك، سألت بن الروميّ وقد أنست به:

ـــ لعلك هجوت الوزير القاسم بن عبيد الله كما هو دأبك مع كبار رجال الدولة؟ و"أكثرهم لصوص لا ينقضي على أحدهم في المنصب أشهر أو سنوات حتى يعمر بيته بالمنهوب والمسلوب من أرزاق الرعيّة الضعاف".

ـــ صدقت وبالحق نطقت، ولكن فضحي فساد من وصفت، لم يكن من قبيل الهجاء، بل هو أقرب ما يكون، وبلغة هذا العصر الى التصوير الفوتوغرافي الأمين.
ـــ..!؟
ـــ فقد كنت ناقل حقائق كما هي. لأجل ذلك قلت:


ولست بهجّاء ولكن شهادة
لديّ أؤدي حقـّـها غير آفــك!


ما إن أتمّ الشاعر كلامه، حتى عمد الى صرّة ضخمة فتحها كاشفا على جدي مشويّ وبطاطا مقليّة وخبز نقيّ وفاكهة كثيرة.. كنت على علم بنهم بن الروميّ وشغفه الزائد بالطعام، لأجل ذلك لم يدهشني أكله المنكر وسرعة إتيانه على ما كان بين أيدينا من زاد شهيّ نال منه نصيب الأسد.


حين فرغنا من طعامنا، عاتبت بن الروميّ على ركاكة قوله الشهير:" ولي وطن آليت ألا أبيعه"، وقد ملكت من الجرأة ما أتاح لي أن أفضي إليه بأن صدر بيته المذكور، هو من قبيل القول :"ولي والدة آليت ألاّ أسلخها!" وقد استغرق ابن الروميّ في قهقة منكرة، قبل أن يفيدني معتذرا، بأن منتهى وطنية معاصريه ألاّ يبيع أحدهم وطنه لقاء مبلغ ماديّ!، في زمن كان الملوك يسارعون فيه وبشكل علنيّ مفضوح، إلى مهادنة الفرنجة بمقايضة عروشهم المهتزّة والأثيرة، بأقاليم وطنيّة ممتدّة الأطراف!

وقبل فراق بيني وبينه، سألني الشاعر ملاطفا:

ــ ولكن مالذي جاء بك إلى أرض مهلكة كهذه؟

فأجبته مستفزا (وقد غرّني ضعف بنيانه):

ــ لقد ضللت طريق خانقين، حيث مسكن صديقي عسران بن مشنوق.

ما ان أتممت كلامي، حتى اكفهر وجه الشاعر ثم صرخ شاتما:

ــ قبّحك الله ومحق. خنق وعسر وشنق!؟

قال ذلك ثم عمد إليّ فطرحني أرضا آخذا بخناقي.

-2-


حين أفقت ممسكا بخناقي، ألفيت نفسي في فراشي!.. كنت أجفّف عرقي مسترجعا أنفاسي، حين بلغني صوت والدتي من غرفة مجاورة:

ــ ألو.. ألو... لا باس... كيف حال لبني والأولاد؟.. سالم؟.. أنه نائم.. هو بخير.. أجل.. سيسافر عشيّة اليوم.. ما عساه يصنع بعد شهادة دكتوراه أعقبتها تسع سنوات كاملة من بطالة مدمّرة غير القبول بوظيفة مدرّس ابتدائي في قرية نائية تفتقر إلى الحدّ الأدنى من العيش المحترم؟!... بالأمس وبّخه عمّك رشيد الى حدّ بات فيه على الطوى، لم يكفه ذلك بل هدّده بالطرد من البيت إن هو أضاع فرصته الأخيرة.. ألو.. ألو.. أعلم أن عمّك رشيد لن يفعل ذلك، أراد فقط حفزه على إتخاذ قرار لصالحه لعلمه بعزّة نفسه... لا..لا.. حتى إمكانية تدريسه في عين دراهم(1) لم تعد ممكنة حيال تردّده في قبول الوظيفة.. ( ثم ضاحكة ) لم يعد في وسع المسكين إلاّ الإختيار بين شرّين، سجنان(2) أو غار الدّماء (2) وقد اختار سجنان مكرها!

(1 ـ 2 ـ 3 ) عين دراهم، غار الدّماء، سجنان: أسماء بلدات تونسيّة متفاوتة البؤس والتخلّف.

أوسلو 25 ديسمبر 2011