قصة المحامية لهيب التي اعتدى عليها عُدي بن صدام

كاميليا صادق قرأها 7,877

المحامية لهيب كشمش إحدى ضحايا ديكتاتور العراق سيء الذكر صدّام حسين، وقصتها باختصار تبدأ من أحد حراس صدام حسين الشخصيين ومتذوق الطعام الخاص به، واسمه "كامل حنا ججو"، الذي عرَّفَ صدام بـ"سميرة الشهبندر"، التي أصبحت فيما بعد الزوجة الثانية لصدام ما اعتبره عُدي، ابن صدّام البكر من زوجته الأولى ساجدة، إهانة لوالدته.. وفي عام 1988 قتل عُدي كامل حنا ثائراً لكرامة أمه فأغاظ بفعلته صدّام، الذي استدعى المحامية القديرة "لهيب كشمش نعمان" وطلب منها المرافعة القانونية ضدّ ابنه عُدي أثناء محاكمته بتهمة القتل هذه. إلا أن المحامية لهيب رفضت ورجت صدام أن يعفيها من هذه المهمة، فكرّر صدام طلبه ثم أمرها وأجبرها على القبول. وهناك من يدّعي بأن صدام كان لا يؤذي إلا أولئك الذين يتدخلون بالسياسة أو يتكلمون ضدّه أو يخالفوه، والمحامية لهيب لن تتدخل بالسياسة أو تتكلم ضده أو تخالفه.

في جلسة محاكمة عُدي وقفت لهيب ضدّه لأنه اعترف بجريمته فقرّرت المحكمة إدانة المتّهم بجريمة قتل كامل حنا، وبعد انتهاء المحاكمة وصدور القرار بالحكم أدار صدام ظهره لها واستلمها عُدي ليعاقبها على فعلتها، فاعتدى عليها وعذّبها بطرق لا يمكن ذكرها ورماها في المجاري المائية وفي النهاية حقنها بإبرة في رأسها أدت إلى خلل دماغي أصابها بالجنون التام.

عرف الناس قصة لهيب واعتادوا فيما بعد على رؤيتها في حالتها غير الطبيعية عندما كانت تتمشى في شوارع مدينة الغدير في بغداد بهيئة يرثى لها.. وكانت ترجع في الليل لنفس بيتها الذي امتلكته قبلما تجن لتنام مع قططها. يروي جيرانها بمدينة الغدير بأن عُدي لم يرمِها لأسوده لأنه أراد لها الإهانة المستمرة التي هي أسوأ من الموت، وأيضا أرادها أن تبقى لتُذكِّر الآخرين بقسوته فتكون عبرة لهم.

حين زرتُ بغداد عام 2004 سكنتُ قريباً من مدينة الغدير وكنت أراقب لهيب عن كثب. وصفَ أهل المنطقة المحامية لهيب قبل الجنون بأنها كانت شابة جميلة ومثقفة وأنيقة للغاية، ويعرفها جيداً العاملون بأرقى صالون تجميل في الغدير. فقد رووا أنها كانت زبونة مستمرة تتردد على الصالون لصفِّ شعرها عدة مرات في الأسبوع، وكانت لهيب بعد الجنون تتردد على نفس الصالون لتضع يديها على شباك الصالون وتحركهما بطريقة تفقدية كأنها تبحث عن شيء قد فقدته في هذا المكان. وبقيتْ مهووسة بالأناقة وتزين نفسها رغم فقدان قدرتها على التفكير المتوازن، فكانت مثلا تضع حُمرة الشفاه على جبينها وفوق عينيها وتصرُّ على لبس جوارب نايلون طويلة «كولون» ثم تلبس فوق الجوارب بنطالاً قصيراً (شورت) ممزَّقَ الأطراف وفي شعرها حبّاسات وورود.

طلبتُ من العاملين بالصالون أن يغسلوا لها شعرها ويصفوه لكنهم رفضوا وقالوا أنْ لا جدوى من ذلك "لأننا قمنا بذلك عدة مرات في الماضي وهي تعبث بشعرها ووجهها من جديد"، وأضافوا بأنها أكثر من مرة عاد إليها الوعي جزئياً وكادت أن تشفى لكن الجنون عاد إليها من جديد بسبب ظروفها القاسية. ولم يصغ إليها أحدٌ قبل 2003 خوفا من أن تروي لهم قصتها ويعدمهم عُدي. وكان بعض الخيِّريين يسلموها الطعام دون نطق كلمة معها.

شاهدتُ لهيب تتمشى وبيدها قطف سيكارة. كانت تقضي نهارها كلّه في عمل واحد مضنٍ وهو شحذ السكائر من أيٍّ كان. راقبتها طويلاً ولعدة أيام وحين حاولتُ الكلام معها برقة، أكفهرّ وجهُها ونهرتني وقالت «أدبسز عيب قلة أدب، يلّه» فابتعدتُ عنها. وفي يوم آخر رأيتها تشحذ السكائر من بائع السكائر فطلبتُ منه أن يعطيها كارتون سكائر كاملاً «ﮔلوص» فالتفتت إلي بكل أدب ورقة وخجل وقالت وهي تضع يدها على فمها وبلهجة مسيحيي أهل بغداد: «ميغسي، وِلي، ميغسي، أشكغكي»  وقلت لها بالكلدانية «لهيب دِخيوَت عززتي» وأحسستُ بأنها في عالم آخر لا تراني شخصيا بل ترى أناساً مُحسِنين من ماضيها تذكَرَتْهم حين قدّمتُ لها حسنة فقالت «رَنْدِه» وبدت عاقلة في تلك اللحظات ولهذا استنتجت بأن الأمل في شفائها لم يكن مستحيلاً وربما كانت بحاجة للمزيد ممّن يحسن إليها كي تشفى. إن ما قام به صدام وابنه ضد لهيب هو مثال واحد لما صنعه هؤلاء المجرمون ضد المسيحيين وضد العراقيين كلهم. تُرى كم لهيب تضمُّ مقابر صدام الجماعية؟

أخذتُ سيارة تكسي وذهبت إلى نقابة المحامين بمنطقةٍ ذاك الصوب في بغداد لأطلب منهم إيجاد حل للمحامية لهيب، وقابلني عدد من المحامين -ثلاثة منهم نطقوا كلامهم بطريقة لم أفهمها بسهولة «لغلغه» وبدا عليّ الحرج والتساؤل ففتح أحدهم فمه ليريني لسانه الذي قطعه صدام وألسنَ عددٍ آخرَ من المحامين الذين أثاروا مسألة حقوق الإنسان. ولم تُجدِ رحلتي لنقابة المحامين وقالوا حينها بأن إمكانياتهم محدودة. وقال أحد المحامين المسيحيين هناك بأن صدام كان يحب المسيحيين فقط كخدمٍ مأمورين ليس إلا!! ولم يكن كامل حنا أو لهيب الخادمين المأمور]ن الوحيدين له، حتى طارق عزيز كان خادماً مأموراً. ولم أتّفق معه عما قاله عن طارق عزيز.. لأن عزيز تسلق على أكتاف الآخرين لأجل الصعود ثم الوصول إلى المناصب، وباع عزيز قوميته حين انضمّ بنفسه إلى حزب البعث العربي، ثم باع دينه حين أسلمَ، ثم باع وطنه العراق حين استمر في خدمة عصابة صدام.

يُقال أن للمحامية لهيب عشرةَ أخوة وأخوات في أميركا لا يتصلون بها وأختين في العراق بدون زواج خاف الناس من الاقتران بهما. كان يجب أن لا تقضي لهيب بقية عمرها مُهانة في شوارع بغداد، خاصة بعد زوال عصابة المُجرمَين صدام وابنه. بقيت المحامية القديرة لهيب كشمش نعمان مُهملة إلى أن وافاها الأجل قبل عامين.

باحثة لغوية عراقية - sadik_camilia@yahoo.com