رحلة العذاب " الجرح " - ج1

محمد نصّار قرأها 1,085

ما زال الظلام يلف القرية بردائه الموحش ورياح الشتاء الباردة يشتد وقعها في مثل هذه الساعة من الفجر.

 الشوارع خالية.. موحشة.. تغشاها رهبة وصمت يخيم على جنباتها.. ف يما الخلق نيام..غارقون في سباتهم وقد هدهم شقاء يوم طويل، فتمضي الساعات ثقيلة مرهقة، كأنها الموت.. الموت الذي حل بالديار وحط.

يتشقق الصمت مع صوت المؤذن وهو يعلن مولد صبح جديد.. تتململ الخلائق.. تدور الحياة قي العيون مثقلة بالنعاس.. تبدر عنها غمغمات غير واضحة المعالم، ثم يطفو من بينها صوت جارنا وهو يحث أبناءه على النهوض والتهيؤ للذهاب إلى العمل، حتى باتت عادة استغنيت معها عن ساعة المنبه التي اشتريتها قبل حين، يلي ذلك صوت منبهات العربة التي تقف بباب أبي عدنان وما يصاحبها من نداءات تصل أحيانا إلى حد السباب : يللا يا بغل.

فيأتي الرد على نفس الشاكلة : كول... على الصبح.

ثم تدب الحياة في شوارع القرية على نحو مضطرد، فترى جموع العمال آخذة في التحرك مكررة دأبها الذي اعتادته وكأنه الرحيل.. الرحيل الذي يتكرر في كل صبح ولا تلوح له في الأفق نهاية.

انطلق كعادته قاصدا موقف الحافلات، درب حفرته قدماه.. حفظته.. عرفت كل حجر فيه.. كل حفرة.. كل نتوء.. عشر سنين وهو يمارس نفس الطقوس، لينتهي به المطاف عند نقطة يتجمع فيها رفاق سبقوه، يجدهم متراصين حول نار أشعلوها طلبا للدفء، أو أمام مظلة المطعم المجاور.

لم تكن المسافة بين بيته وتلك النقطة بالطويلة، لكنها تكفي لمرور شريط من الهواجس ما انفك يناوشه منذ فترة قريبة،  ينشب أظافره في رأسه وينهش أعصابه بكل قسوة، يطل وجه زوجته أولا وقد غزته السنون، ثم البنات اللاتي كبرن في غفلة منه.. المراقب اللعين.. الأيام التي تتكرر بلا فارق بينها.. الولد الذي مازال في انتظاره رغم تجاوزه العقد الخامس من العمر.

 تؤلمه هذه النقطة بالذات.. تحز في نفسه كخنجر مسموم.. يتأوه بألم مكتوم، ثم يتمتم بشيء من الأسى: لو بكرت به بدلا من خديجة، لكان في عمر جارنا الدكتور يوسف.. وربما صار طبيبا مثله.. أي والله مثله.

صوت كوابح بقربه يستعيده من شروده البعيد.. يعيده إلى الواقع في لحظة، يتشنج في مكانه مصعوقا.. مصدوما ولا ينبس ببنت شفة.. حتى شتائم السائق التي انهالت بلا رادع لم تصله، بل ظل مأخوذا بالعربة الواقفة على بعد سنتيمترات منه، دون أن يرى الشفاه التي ترتجف وترغي قبالته.. تصرخ فيه، فيطير الزبد نحوه و يرشقه أحيانا، إلى أن طالته دفعة السائق في كتفه، فأعادت إليه شيئا من توازنه المفقود: فتح يا أخي.. يلعن..

 تقهقر إلى الوراء موشكا على السقوط.. أطرق للحظة محاولا فهم ما يجرى، ثم تقدم من السائق مبديا اعتذاره، فازداد الأخير هياجا وكاد أن يصفعه، لولا أن تدخل نفر من المارة في الوقت المناسب، دفعوا السائق داخل العربة وأمروه بالانصراف، فترك المكان مخلفا زوبعة من غبار ولعنات لم يعرها أحد من الواقفين التفاتا، بل أحاطوا بالشيخ ومضوا قاصدين نقطة تجمعهم، البعض يهنئه بالسلامة والبعض يلومه على شروده الذي كاد أن يضيعه، إلى أن أطلت الحافلة مقبلة، فلم ينتبه لوصولها سوى قلة من العمال الذين لم يبرحوا أماكنهم ساعة وقوع الحدث وظلوا يتابعونه من بعيد.

-       يللا يا شباب الباص وصل.، صاح أحدهم منبها.

صعدوا بتثاقل واضح.. تثاقل ربما أوجده التكرار، أو العادة، أو لعله الشقاء الذي صار رفيق دربهم بلا منازع.

 جلسوا في أماكنهم والحديث متصل، حتى أولئك الذين اعتادوا قطع الرحلة نياما، لم يتسنّ لهم ذلك وراحوا يدلون بدلوهم أيضا، بينما ظل هو صامتا وكأن الأمر لا يعنيه أو يخصه، يداهمه ذلك الشريط من جديد.. يستحوذ عليه.. يمر محملا بالصور.. صور تثير الفزع في نفسه، فتارة يرى جسده طائرا في الهواء بفعل الصدمة، ثم يخر كومة لحم خضبتها الدماء وتارة يرى زوجته مقبلة من بعيد مولولة تتبعها بناتها باللطم والصراخ وأخرى يجده مشدودا إلى السرير باللفائف والأربطة و...

يغمض عينيه محاولا الفرار منها، فتلاحقه بوضوح أكبر.. وضوح ارتعدت له أوصاله.. يتمتم بالمعوذات وما تيسر من القرآن.. فيجهده العرق، يخرج منديلا ويمرره على جبينه بيد ترتعش وشفاه تحوقل، فتلامس كتفه يد تربت بحنو.. التفت جهتها، فطالعته ابتسامة همس على أثرها بارتياح: محمد!..

  بادر الشاب بالاعتذار عن تأخره في السؤال عنه، لا لشيء سوى أنه جاء للتو وكاد أن يضيع الحافلة.

-       ربنا قدر ولطف.

-       أخبرني كيف وقع الأمر؟.

-       لا عليك.. انتهت على خير

-       بركة دعاءك يا شيخ.

 جاء الصوت من الطرف الخلفي للحافلة يسبق صاحبه.

الأمر الذي أثار حفيظة الشاب وجعله يتمتم بأشياء تنم عن انزعاجه الواضح من ذلك الشخص، لكنه حاول إخفاء تلك المشاعر وعاد للحديث من جديد مع الحاج، فتكرر القول مع وجود صاحبه على مقربة منهما.

شعر الحاج بالتغير الذي طرأ على الشاب، خصوصا أنه يعرف كما البقية مدى النفور الحاصل بينهما، فعاجل لاستدراك الموقف وبشيء من الدعابة التفت إليه قائلا : كفاك مزاحا ع الصبح.

-       والله كلامي جد يا عمي الحاج.

-       ذيل الكلب  يظل أعوج..، همس محمد بضيق وامتعاض، فرنت الكلمات في أذن سمير وبدا أثرها واضحا عليه، لكنه تمالك نفسه ورد بتهكم قائلا : ما ظل ع الخم إلا....

انتفض محمد حينها كالملدوغ وصاح ملوحا بيده : احفظ لسانك وإلا قطعته.

-       تقطع.. وأشار إلى أسفل بطنه..

فهب الحاج وأمسك محمد من ذراعه، ثم جذبه إلى المقعد وصاح في كليهما بحدة: صلوا ع النبي.

رنين جرس الباب أزاح النوم عن عيونها.. تشبثت به يؤازرها دفء المخدع ونعومته، فأبى أن يستجيب لها.. تململ جسدها مبديا تبرمه وامتعاضه، فازداد وقع الرنين في أذنها قوة وعنادا.. أزاحت الغطاء عن جسدها وقصدت الباب، فوجدت أمها عنده، ألقت التحية وفي عينها سؤال محدد: من الآتي في هذه الساعة من النهار.

وجه عمتها الشاحب.. المرتجف، أثار الفزع في نفسها.. وبدد بقايا نعاس مازالت عالقة في جفونها.

-       وينه؟.، سألت العجوز لحظة أن فتح الباب في وجهها.

-       من يا عمتي ؟.، ردت زوجة أخيها بشيء من الخوف والجزع.

-       أخوي.

-       في الشغل.

-       أي شغل !.

-       احكي يا عمتي ولا تشغلي بالي.. شو اللي صار احكي؟.

سألتها المرأة بخوف ولهفة، فأدركت حينها فداحة الخطأ الذي ارتكبته، لكن حرصها على معرفة ما حل بأخيها، جعلها لا تعبأ بمشاعر المرأة أو أحاسيسها ولا حتى بالفزع الذي انفجر من جوف ابنته بركانا هائجا في وجهها : أبوي صار له شيء.. احكي يا عمتي..احكي.

-       لا يا بنيتي.. لا يا حبيبتي.. والدك بخير..الله يسامحك

-       أي خير.. احكي يا عمتي.. احكي.، أمسكت الفتاة بتلابيب عمتها وهزتها بعنف.

-       قالوا سيارة دهسته.. ولكن..

-  دهسته !.. وين ؟.، صاحت المرأة بملء صوتها.

-       عند المفترق.

-       يللا بينا يا عمتي يا يللا.، ثم ألقت بشال على رأسها وانطلقت تاركة للبنات من خلفها مرّ الأسئلة وسيل الدموع.

وقع خطواتها السريعة أثار انتباه النسوة الواقفات بباب أبي محمود الخضري وحرك الرغبة لدى بعضهن بالسؤال، إلا أن أي منهن لم تبادر إلى ذلك، خصوصا حين لاحظن سرعة خطاها وشرودها الملفت عنهن، لكن مناشدة العجوز لها بالتمهل في سيرها، شجعت إحداهن على السؤال: عساكم بخير يا حاجة ؟.

-       خير إن شاء الله.، ردّت العجوز بأنفاس متلاحقة، ثم تابعت: أخوي الحاج أحمد صار معه حادث.

-       يا لطيف !.. شهقت المرأة وضربت على صدرها لاهجة: ربنا يجيب العواقب سليمة.

-       إن شاء الله يا بنتي.

ثم تابعت سيرها محاولة اللحاق بزوجة أخيها المندفعة بكل ما في النفس من خوف وقلق.. من حزن وأرق، تحاصرها الظنون من كل حدب، وتبدي لها صورا مرعبة، لزوج نالته يد المنون في لحظة خاطفة، ففي إحداها تراه ملقى أمامها على الأرض تنفر الدماء من وجهه وفمه، وفي أخرى تجده على سرير المستشفى محاصرا باللفائف والأربطة وفي ثالثة تطالعها ابتسامته الباهتة وهو يودعها عند الباب مرددا: ديري بالك على البنات يا أمينة.

انزلقت الدموع من عينها.. حاولت مداراتها عن عيون المارة.. اقتربت من الميدان.. جالت ببصرها في المكان.. لم تر ما يشذ عن العادة.. كل شيء يسير على نحو عادي.. الطلاب متجهون إلى مدارسهم.. الزراع إلى حقولهم.. المطعم ببابه العديد منهم والصبي المكلف بخدمتهم يعمل بجد لإرضاء الجميع.

راودها إحساس بالأمان.. تذكرت العجوز التي تتبعها.. التفتت خلفها.. تريثت حتى تصلها، ثم أمسكت بيدها وهمست قائلة: يللا يا عمتي.

-       الله يسامحك.. قطعت نفسي.

اقتربتا من الصبي الذي كان مشغولا بزبائنه.. التفت صدفة تجاههما فعرف العجوز التي طالما وقفت ببابه بصحبة أخيها أيام العطل، ابتسم في وجهها وقال مطمئنا: الحاج بخير و قصد شغله.

اقتربت المرأتان حتى وقفتا قبالته : صحيح يا بني.، سألت كلتاهما بصوت واحد.

-       صحيح.. أنا شفت اللي صار بعيني.

-       ربنا يطمئن بالك يا ولدي.