سطور من سفر غزة

محمد نصّار قرأها 637

كالجبال الشامخات كنتِ، كالحصون المانعات أنتِ، لم يزعجك عصف الريح ولم يرهبك هديرها، لم يثنك الوعيد ولا التهديد ولم ينل من عزمك قرع الطبول ولا الموت الزاحف من حولك كالسيول، تعاليتِ على جرحك.. على فقرك.. على الدسائس والفتن.. على الحصار والمحن.. على جور بني القربى وظلمهم، جمعت أبناءك كلهم.. تزنّرت بهم جميعا وامتشقت إرثك المشهود.. تاريخك المعهود، سيف صلاح الدين وذكرى حطين.. أيام الظاهر وعز الدين، تداعى أبناؤك وأحباؤك، حضر الشافعي والعسقلاني، حتى عنترة العبسي جاء منازلاً وحمزة الضرغام أقبل مسرعاً، يتبعه ابن الوليد بسيرته وعلي الأمام بصولته، فوقفتِ وقفة أسود في الوغى.. وقفة ارتجف منها مارس وجنده.. يهوذا وشعبه، كنت قدراً مهاباً وموتاً زؤاماً في وجه الطاغوت.. تقارعين بعزّ وإباء.. بشموخ وكبرياء.. عزّ مسطور في صفحاتك الناصعة.. مشهود في سواعد أبنائك المسفعة، وإباء كنت له أهل.. إباء أقرّ به الغزاة كلهم، بدءاً من الاسكندر الذي وقف بأبوابك مشدوها من صلابة أهلها وشدة مراسهم، مرورا بكل الطواغيت والعتاة الذين جاؤوا من بعده، فكلهم احترقوا بلهيب أرضك.. أرضك التي باركها الرب وقدسها.. أرضك التي ما سكنت لغاصب أبدا، فكلهم جروا أذيال الهزيمة واندحروا إلى مزابل التاريخ وبقيت أنت عروساً تلامس البحر بسحرها.. بعطرها.. بضفائرها المنسابة كخيوط الشمس.. بروحها العزيزة الأبية.. تتنسمين عبق التاريخ من عبقه.. تصغين إلى حكاياه، عن الآباء والأجداد.. سيرهم.. بطولاتهم..

أشعارهم، تنهلين من روحهم.. من عزمهم.. من مجد صرت له خير وارث، ثم تنشدين أغاني الصيادين.. المداحين والبحارة الذين مروا بشطّك وشربوا من نبعك، ثم تضمين أولادك إلى حضنك الدافئ وتغفين على شطك قريرة العين.. مهابة الجانب.