صمت الشوارع الغافية

محمد نصّار قرأها 720

ما مسني ضير إلا وفزعت إلى حضنها، أتنسم شذا عطرها.. أريج أنفاسها.. يسري في سحر لمساتها، فتقر عيني وأنام.

هكذا هي وكذا أنا، منذ أن غادر أبي الدنيا تاركا لنا مر الحياة وكبدها، تركنا صغارا يضمنا بيت بسيط وامرأة جميلة، امرأة ملكت عوالمي كلها، حتى بعد أن اضطرني الزواج للنزوح عن بيتها، لم أسلو عادتي، أزورها كل مساء ولا أودعها قبل أن يأوي الصغار إلى فراشهم، إلى أن أسرت لي ذات مساء زوجتي، بما يقول الناس في أمي، فصعقت من هول الصدمة، ثم استحالت صدمتي إلى بركان انفجر في وجهها حمما خضبته بالدماء، صرخت.. لطمت.. توسلت.. حاولت الفرار من أمامي.. الاحتماء بأي شيء من غضبي.. فخاب حدسها، صفعتها.. ركلتها.. جذبتها من شعرها و ضربتها حتى  خارت قواي.

جلست منهارا.. مغيبا.. تتجاذبني الصور والذكريات.. تمر من أمامي.. تمزقني وتشعل في نار الغضب من جديد، فأعاود ضربها وركلها، حتى رغت وسال من فمها الزبد.

بعد منتصف الليل بقليل تسللت إلى بيت أمي، كمنت خلف شجرة قريبة، مر الوقت ثقيلا.. بطيئا ولم ألاحظ  شيئا يريب.. سكون يلف الدار.. يخيم على جنباتها والشارع يغلفه  الصمت.

صوت المؤذن وهو يردد أذكار الصباح أصابني بالرعشة.. بالرهبة، فقررت ترك المكان وبداخلي قسم بألا ترى النور إن كذب ادعاؤها، أوقفني صرير الباب.. جمدني في مكاني.. حفز في الحواس كلها، رأيت شبحا يخرج من عندها.. سمعت صوته وهو يهمس في وداعها، فكانت صدمتي مدوية، ضغطت على الزناد، فسقط جثة هامدة، فتحت الباب وأطلت تستطلع الأمر.. سارت خطوات معدودة، ثم عادت  مسرعة، حاولت أن أسدد صوبها، فعجزت يدي.. أعدت المحاولة مرة أخرى، فلم أٌقو على رفعها، تركت المكان على عجل وفي الصباح كان الناس يؤمون بيت عمي لتأدية واجب العزاء.