إلى روح الشهيد المناضل والأديب المبدع / زيد أبو العلا
"كثر هم الذين نصادفهم في الحياة ولكن قلّة منهم ترك أثراً"
قبل أن أكتب هذه الكلمات تردت كثيرا وحرت أكثر في اختيار المحطة التي أقف عندها أو أنطلق منها، خصوصا أن الحديث الذي سأدلي به هو عن رجل بمثابة أخ وصديق له من المواقف والأفضال ما لا تتسع هذه السطور لسرده.
لقد عرفته في العام 97، كنا يومها في لقاء نظمته وزارة الثقافة بغزة، جاء في ذلك اليوم بصحبة الصديق د. عاطف أبو سيف الذي قدمه لي معرفا: الاخ زيد أبو العلا، صافحت الرجل وقابلته بابتسامة مماثلة، فبادرني الرجل بإطراء جميل على كتاباتي القصصية خصوصا مجموعتي التي صدرت حينها " في صحبة الشيطان" ومن بعدها تعددت اللقاءات والزيارات التي امتدت لتصبح على الصعيد العائلي أيضا وجمعتنا صداقة جعلتني أعرف الرجل عن قرب، لأجد أمامي أديبا مبدعا ومثقفا لو لم تشغله محطات الحياة المتعددة بما حفلت من مواقع عمل مختلفة وموانئ ترحال كثيرة لكان نتاجه الأدبي أعم وأغرز، لكنه مع كل ذلك ترك لنا مجموعة من الأعمال الأدبية استطاعت أن تجد لها مكانا في الذاكرة الجمعية الفلسطينية وربما العربية، خصوصا روايته "الخروج من وادي السلامة" التي استطاع من خلالها أن يؤرخ بلغة أدبية جميلة لرحلة اللجوء الأولى بعد حرب 48، حيث استعرض من خلالها ما جرى لقرى ومدن شمال فلسطين إبان تلك الفترة، مجسدا فيها كل معاني المكابدة والمعاناة التي خاضها اللفسطينيون منذ بدأ الترحيل والنكبة حتى خيام الشتات في الدول العربية المحيطة، ليكون بذلك العمل من أوائل من أشاروا إلى هذه النكبة بأسلوب أدبي راق وملفت، نال رضى الكثير من الكتاب والنقاد وفي مقدمتهم الشاعر الكبير أحمد دحبور الذي أبدى إعجابه الشديد بها في الكثير من اللقاءات التي كانت تجمعنا به .
في روايته الثانية "جواد" استطاع زيد أبو العلا أن يكشف عن جوانب أخرى من حياة الفلسطيني وهنا الفلسطيني الثائر .. المقاتل وليس الفلسطيني المقهور المطرود من دياره بقوة الظلم والعدوان، بين فيها العديد من المواقف التي اضاءت الكثير من الجوانب الانسانية في حياة هذا المقاتل وقد سلط الضوء فيها على كونه صاحب حق وقضية على عكس ما يوصف به لدي الدوائر المعادية ومن دار في فلكها من القوى الاستعمارية، كما تجلت في ثنايا الرواية روح الوفاء لرفاق الدرب والكفاح الذين شاركوه كسرة الخبز ولحظة الخوف والفرح، فجواد الذي تحمل اسمه الرواية هو واحد من أؤلئك الذين ذكرت والذين ظلت ذكراهم معششة في نفس أديبنا الراحل يذكرهم حتى بعدما أعاد بعثهم من جديد على الورق، لنشتم معه عبق مرحلة مهمة من تاريخ صراعنا ورحلة شارك فيها بكل سكناته وجوارحه ولم يؤثر الحديث فيها عن نفسه ولكن الكلام كان يصلنا من بين ثنايا الذكرى حين تطوف به ومن بعض الآصدقاء الأكثر قربا ممن شاركوه التجربة، لنكتشف أننا أمام رجل يحكي القليل عن نفسه رغم ان رصيده يحوي الكثير من الأعمال المشرفة.
وفي مقاله الاسبوعي يوميات أبا إياس الشفاعمري عرض زيد ابو العلا لكثير من المواقف والمسلكيات التي كانت تحدث في عهد السلطة، سواء على الصعيد السياسي أو الاجتماعي في الفترة مابين عامي ألفين وألفين وخمسة، معرضا لها بالنقد والتحليل من خلال شخصية أبا إياس الشفاعمري، الذي هو بالأرجح زيد أبو العلا نفسه، مسربا أفكاره ورؤاه بلغة تحف بروح الفكاهة والدعابة التي كان يتسم به في حياته اليومية وعرفه بها كل من عايشه أو احتك به، رغم ما في النفس من هموم وأوجاع يداريها عن عيون عرفته عن قرب.
زيد أبو العلا الأديب المبدع والمناضل الذي خاض غمار الوغى وشارك بأكثر من عملية فدائية وأكثر من ثلاثة عشر عملية تسلل واشتباك من الأراضي اللبنانية إلى فلسطين المحتلة في بداية السبعينيات لم يحدث أحدا بذلك ولم يدعي كالمدعين بل عرفنا ذلك بعد مماته ممن شاركوه التجربة، زيد أبو العلا الذي شغل بعدها العديد من المواقع والمناصب التي سخرها دوما لخدمة الوطن والمواطن والقضية التي آمن بها بشهادة الكثيرين وأنا واحد منهم، فزواج بذلك بين الكلمة والبندقية وبين القول والفعل بين الإيمان بالفكرة والعمل على تحقيقها.
زيد أبو العلا الانسان.. الأديب المبدع.. المناضل الذي آمن بعدالة قضيته وقاتل عنها بشرف وفروسية في كل المحافل والمواقع التي شغلها.. زيد أبو العلا الذي غادرنا بصمت قبل شهرين ونيف نائيا بنفسه عن هذا الضجيج الذي يلفنا وهذا التيه الذي يعصف بنا، نسأل الله أن يرحمه ويسكنه فسيح جناته وأن يلهم أهله الصبر والسلوان وأخص بالذكر زوجته السيدة الفاضلة رفيقة دربه وعمره الأخت / أم حنين.