تأملات في سيرة ومواقف الراحل أنيس منصور
%5B1%5D(136).jpg)
في الاسبوع قبل الماضي، اختطف الموت الكاتب والصحفي والاأديب والفيلسوف والمفكر المصري أنيس منصور، الذي طبقت شهرته الآفاق، تاركاً وراءه تاريخاً طويلاً وارثاً كبيراً من الابداع الفكري والادبي والسياسي والفني الحافل.
أنيس منصور هو من أبرز الأدباء والصحفيين المصريين، الذين بزغ نجمهم في سماء مصر، وطبعوا الحياة الثقافية والاعلامية المصرية والعربية، وأثروا الفكر العربي الحديث والمعاصر، بمؤلفاتهم وكتبهم ومنجزاتهم الأدبية ومقالاتهم اليومية، التي لا تعد ولا تحصى. وهو من الكتاب القلائل على مستوى العالم العربي، الذي امتلك ناصية الكلمة وملكة الكتابة وكان مقروءاً من الصغار والكبار على حد سواء، بفضل موضوعاته المشوقة واسلوبه الادبي والصحفي البسيط الشفاف الواضح والرائج. ورغم ما حققه من شهرة واسعة ونبوغ تعدى مصر الى الوطن العربي والعالم، الا أن أنيس لم ينس جذوره الريفية والحياة الرعوية التي عاش في كنفها، وظلت القرية حاضرة بقوة في وجدانه وروحه وخاطره ووعيه وكيانه وكتابته. عرفنا أنيس منصور بكتاباته الفلسفية والفكرية، التي جمع فيها بين الأسلوبين الفلسفي والأدبي. ورغم شغفه وعشقه للصحافة المطبوعة والمكتوبة إلا أنه كان يعشق الأدب اكثر، ودائماً كان يقول انه أديباً يعمل في الصحافة. وقد اشتهر بأدب الرحلات لما عرف عنه حبه وولعه بالسفر والتجوال، وله في هذا المجال العديد من المؤلفات والاصدارات، أشهرها: "غريب في بلاد غريبة، اليمن ذلك المجهول، انت في اليابان وبلاد اخرى، أطيب تحياتي من موسكو، أعجب الرحلات في التاريخ، حول العالم في 200 يوم، لعنة الفراعنة" وسواها.
عمل أنيس منصور في الصحافة، وبدأ مشواره في عالم الصحافة بمؤسسة "أخبار اليوم"، وشغل لاحقاً رئاسة تحرير العديد من المجلات والصحف من بينها: "الجيل، آخر ساعة، أكتوبر، العروة الوثقى، كاريكاتير، الكاتب، الكواكب" وغير ذلك.
بعد ان ترك"الأخبار" انتقل إلى "الأهرام" وراح يكتب وينشر عامود يومي بعنوان "مواقف" لسنوات طويلة، وكذلك كان يكتب ايضاً في صحيفة "الشرق الاوسط" اللندنية. حصد أنيس العديد من الجوائز التقديرية والمكافآت المالية، وفاز بلقب الشخصية الفكرية العربية الاولى من مؤسسة السوق العربية بلندن.
تأثر أنيس منصور في البدايات بأفكار ورؤى عباس محمود العقاد، وفكر عبد الرحمن بدوي، الذي ترك في داخله ووعيه تأثيراً عميقاً جعله يؤمن ويقدس الافكار الوجودية، وكان من أوائل المثقفين العرب الذين وضعوا نصوصاً حول المسألة الوجودية، وفي كتابه "الوجودية" الصادر عام( 1953) دعا إلى اعتناق الوجودية الاوروبية. ارّخ أنيس منصور للحياة الفكرية في مصر والقاهرة خاصة، ورصد المعارك العنيفة والمواجهات والمقاربات الفكرية والمطارحات الحوارية والنقدية، التي جرت بين المثقفين والمفكرين من ابناء جيله وعصره، وكان يكن الاحترام والتقدير الكبير والمودة الخاصة لعميد الادب العربي الدكتور طه حسين.
شكل أنيس منصور مدرسة في الانتهازية السياسية، ويعتبر من كتاب القصر والبلاط ومثقفي السلطة، وكان يأكل من صحنها ويضرب بسيفها. اتصف بالجبن السياسي وممالأة النظام الحاكم والتقرب منه، ولم يتجرأ على انتقاد الرئيس الحاكم الا بعد افوله عن المسرح السياسي ورحيله عن الحياة. عاصر حكم الملك فاروق وجمال عبد الناصر وانور السادات وحسني مبارك، وتألق في زمن وحقبة عبد الناصر، وتبوأ مكانة مرموقة في الصحافة والاعلام المصري. وكان مقرباً من انور السادات واشتغل مستشاراً شخصياً له، ورافقه في زيارته الى اسرائيل والقدس، وشجعه على توقيع اتفاقية السلام مع اسرائيل، واعتبر من انصارالتطبيع والانفتاح الفكري على الدولة العبرية والعولمة. وهذه المواقف السياسية المداهنة المؤيدة والمرحبة بالتطبيع ومعاهدة السلام، جوبهت بالرفض والانتقاد الشديد والحاد من قبل الاقلام الوطنية والتقدمية المصرية والعربية الملتزمة، التي انبرت بالوقوف ضده وتعريته وكشف حقيقة سلوكه وموقفه، وقوطع هو ونجيب محفوظ من قبل المتثاقفين والمتأدبين المصريين والعرب من ذوي الميول اليسارية والعقائدية واصحاب الافكار الثورية والوطنية والمواقف الجذرية.
وفي الختام يمكن القول، بالرغم من الخلاف مع مواقف أنيس منصور السياسية ونهجه وسلوكه الانتهازي، وانتمائه الى مثقفي النظام، يبقى نموذجاً للكاتب والاديب المسكون باللغة والكلمة الجميلة والجماهير والريف والتاريخ المصري، ويبقى ارثه الفكري والادبي واعماله وكتاباته الصحفية شاهداً على مساهمته ودوره في الحياة الأدبية والثقافية والفكرية والسياسية والإعلامية المصرية والعربية.