رسائل رجل محترم جداً - 14
حبيبتي هدى
لا أدري كم من الوقت انقضى على آخر رسالة خطتها يدي إليك ولا أعلم إن كانت قد وصلتك أم لا، بل أشك في كوني قد أرسلت شيئا من أصله، ربما هي تهويمات راودتني كما أشعر الآن وأخال يدي تخطها ككل مرة، يدي التي لا أراها ولا أشعر بها ولا أدري أن كانت ما تزال عالقة بجسدي أم لا، حالها في ذلك حال أجزاء كثيرة منه أفتقدها ولا أشعر بها.
صدقيني إن قلت بأني لا أعلم من أنا أو أين، كل ما حولي هلامي الملمح.. باهت الصورة.. ضبابي الهوية، طنين يخنقني، يعلو كالضجيج حينا فيمزقني ويخبو كالأنين أحيانا فيقتلني.. يقتلني!.. هذه أيضا لست واثقاً منها، فأنا لا أعلم إن كنت في الأصل حياً حتى أموت، أو ميتاً فأوغل فيه وأستريح.
حبيبتي الغالية
قد تفزعك كلماتي.. ترعبك.. تثير الوساوس فيك، لكن هي الأشياء كما أحسها، هذا إن كان في حسّ يتلمّسها أو يشعر بها، ربما بعض من بقاياه ما زلت أتلمس بها الطريق وإن كنت لا أدري عن أي طريق أتحدث، فأنا لا أكاد أبصر شيئا هنا، هنا التي لا أجد لها حدود تحدها، ولا زمان يبرز ملامحها، لا زمان هنا ولا مكان.. لا فصول ولا مواسم.. فراغ .. فراغ يملؤه الطنين.. الضجيج.. الأشباح.. الأشكال.. الأشياء إن شئت سمّها وأنهار من الدماء تسير من تحتي.. من حولي وأحياناً تغمرني أو تجرفني إلى فضاءات بعيدة، لكنها بذات الملمح والصورة، بل هي في بعض الأحيان أشد قسوة وألعن.
حبيبتي التي أنشدها في كل حين.
خوفٌ يتملكني ورعب يفزعني من عالم أعيشه ولا أعرفه، لقد عشت الدنيا وفيها سمعت عن البرزخ والآخرة ، لكني لا أعلم في أي منها أنا، كل ما حولي يربكني.. يشتتني ويشعل في رغبة للبكاء.. للصراخ.. للفرار حتى، لكني أعجز من أن أقوم بذلك، أو حتى التجرؤ على التفكير فيه، أنا مجرد شيء في هذا الفراغ الصاخب.. شيء لا روح فيه ولا جسد.. شيء أجهل كنهه، لكني أحسه وأشعر بدواخله تستعر وتضطرم، شيء يصطلي بوجع الموجعين.. ببكاء الطفل والثكلى.. بدموع الرجال وغلبهم.. بصمت الكاظمين غيظهم وبهرج المتجبرين وغيهم.
حبيبتي هدى.
لقد أراحني هذا البوح قليلاً وإن كنت واثقاً من أنه أوجعك مثلي، لكن لا بأس إن تقاسمنا الوجع ، أو تكاتفنا على حمله، فربما تبدل الحال إلى غيره أو تبدلنا نحن إلى ما هو أسما وأرفع ولله الأمر من قبل ومن بعد والسلام.
المخلص لك دوماً
يوسف