حتى مطلع الفجر - قصة قصيرة

محمد نصّار قرأها 676

كل حسٍّ بداخلي خبا وانطفأ، حتى الهواء تلاشى من حولي وانحسر، أفتّش عنه في ثنايا الحيّز اللعين فلا أجده.. يجهدني العرق ويغشاني دوارٌ جارف، أصل معه إلى حافة الغثيان ثم أعود.

أحاول استعادة توازني .. التعرف على ما أصابني، فلا أرى غير عتمة تكسوني وثقل يرزح على صدري ، يهرس أضلعي وكأني في جوف لحد أو عمد ممددة.

صخب يقترب.. يلامس مسامعي.. يحفز في الحواس ويبعثها.. أسعى للإمساك باللحظة.. استعادتها، فتومض في الذاكرة الملامح الأولى لما حدث، حين باغتني هتاف الحشود الخارجة ابتهاجاً بالحصاد المخضب بالدم.

صوت الرصاص وعتمة الشارع المشبع بالغبار والرهبة، دفعني للابتعاد مسرعاً، لم أخطُ سوى أمتار قليلة وإذ بي أهوي إلى جرف سحيق، جرف داسته الحشود.. تخطّته مخلّفة لسعَ السؤال ومره.

رحت أتفحّص المكان بخوف وحذر.. أتحسّسه بشك وريبة.. بهاجس يشي بأنه من زجاج ، يا إلهي.. أيعقل هذا!.. أيُعقل أن أحشر داخل زجاجة!.

أعاود المحاولة مرة أخرى.. بالفعل هي كذلك، صوت تدحرجها.. نعومة ملمسها.. شفافيته، كل ذلك يؤكد مخاوفي، بل يوشك أن يشلّني وأنا أتساءل مصعوقاً: من زجّني في هذا المكان؟.

تراكم الخوف بداخلي وأرعبتني الظنون، ماذا لو انتهيت تحت عجلات تمرّ، أو تحول حيّزي اللعين عبثية طفل مبتهج إلى عبوة تصهر أضلعي.؟، رحت أفتش عن شيء ينجيني.. ينتزعني من عنقها اللعين ولكن بلا جدوى.

صوت الأذان يرفع ولا مجيب.. صخب البهجة جرّ الناس خلفه وترك عجزة تئن خطاهم بعبء السنين والعتمة، فيما أنا قابع في مكاني، أسري النفس بالنظر إليهم.. بتتبع خطاهم وما يبدر عنهم، فباغتتني ركلة مفاجئة.. ركلة طرت معها في الهواء، تبعها ارتطامٌ هزَّ أضلعي وأفزع شيخاً كال سيلاً من اللعنات والشتائم.

تحسست وجهي فلامست قطرات دم، تلفتُّ حولي فلم ينتبه إلي أحد، استعدت أنفاسي ونويت التوجه إلى البيت، سرت خطوات معدودة، فخشيت أن تدوسني الأقدام سهوا، أو ينتبه إلي طفل لعين فيتخذني لعبة يعبث بها.

تريثت لحين انحسار الحركة، تسلقت الرصيف بعناء والتصقت بسور المسجد، رحت أعدُّ الدقائق وأحسبها، انظر إلى المارة وأتأملها.. إلى جسدي الذي بالكاد يرى، فغلبتني الدموع وعلا صوتي بالنحيب.

أسندت ظهري إلى الحائط، فأخذتني غفوة.. غفوة صحوت بعدها على ظلمة لا حسَّ فيها ولا أثر.. حسبتها النهاية ولولا أشياء تنبض من حولي، لقلت أنها النفخة الأولى، أو الطامة الكبرى، بكيت.. لسعتني الدموع بحرقة ولم أر أمامي من سبيل، سوى أن أمنّي النفس بالانتظار حتى مطلع الفجر.