رحلة العذاب "الجرح" - ج 3
ترك المكان أشلاء متناثرة.. تنهشه الهواجس وتحاصره الأسئلة، كان أخطرها الدافع وراء سلوك المرأة معه، هل رأته صيداً سهل المنال قد يعوضها بعض الذي تفتقده في زوجها العجوز، خصوصا أنها في هذه السن لن تجد من هو في سنه للقيام بالمهمة، أم عساها مدفوعة من قبل الأمن للتغرير بي وإسقاطي، هكذا حدث نفسه قائلا؟ .
ارتجفت أوصاله عند هذه النقطة وعاد لمراجعة مواقفها معه، حركاتها.. غمزاتها.. همساتها، ثم همس بجزع وخوف: مصيبة لو كان الأمر كذلك.
ظل الخوف يطارده طيلة ذلك النهار والهواجس تلاحقه منغصة عليه لذة مسروقة، ارتشفها للحظات في حضنها وغاب، فبدت بواعث خوفه واضحة للعمال الذين لمسوا ذلك في سلوكه المضطرب وشروده الملفت عنهم.
حاول نسيان الأمر و الانشغال بما يلهيه عن التفكير فيها، لكنه عجز عن ذلك وبدأ يشعر بثقل يغزو جسده وإعياء يحل فيه على نحو مفاجئ.. فكر في العودة إلى البيت، نظر إلى ساعته، فأشارت إلى التاسعة وبضع دقائق، أدرك أنه لا يستطيع فعل ذلك، تهالك على المقعد، فعاودته فكرة الرواح من جديد، هم بتنفيذها، فطالعه وجه المراقب بقسماته المستهجنة.
- هل تعاني من شيء؟. سأله مستفسرا.
- أرغب في العودة إلى البيت.
أسبوع أمضاه حبيسا داخل المنزل، لم يفكر للحظة بأن يخطو خطوة خارجه.. هاجس العمالة والوقوع في براثنها كابوس يطارده.. ينزع النوم عن جفونه ويكسوها زرقة وشحوبا، فيتهامس العجوزان ويتساءلان عمّ ألمّ بابنهما ولا جواب يشفي من مرّ الأسئلة، زيارات بعض رفاق العمل تكسر الجمود الخامد على البيت وتعيد له شيئا من الأنس المفقود، تتراجع حالة الخوف مع مرور الوقت، تعاوده الذكرى من جديد، يبتسم مزدريا خوفه المبالغ فيه.. يرجع إلى العمل.. تراوده رغبة للقائها، يقمعها في مهدها.. يستقبله المراقب مرحبا ويغمز بخبث: لم أذق الجعة منذ غبت.
- سأبعث أحدهم لجلبها
- لا تريد رؤيتها؟.
- لا.. أريد أن أجري جرداً في المخزن بعد هذا الغياب.
- حسنا.
هزّ المراقب رأسه وانصرف جهة البناء وانشغل هو بالبحث في خبايا كلام المراقب الذي بدا مريبا بعض الشيء وزاد إحساسه بالريبة والخوف حين داهمه هاجس يشي بعلاقة ما بين المراقب والمرأة، بل شك بأنهما على نفس الخط وإلا ما معنى كلامه وما سرّ صمته عن تأخري الدائم عندها، زجاجة الجعة التي أرشوه بها وبعض الأشياء التي يعوزها من المخزن لا توازي صمته عني في كثير من الأشياء.
إحساسه بالخطر المحدق، حفز حواسه بشكل غريزي وأثار بداخله تحديا ممزوجا بالكره تجاه المراقب اللعين وتجاه نفسه التي انساقت صوب الفخ بغباء.
حينها أدرك سر الجفاء الذي يعامله به البعض من رفاق العمل و أيقن كم هم محقون في ذلك وأنه بات من الضروري أن يسعى جاهدا لإعادة ترتيب أوراقه من جديد سواء كان ذلك مع المراقب أو رفاق العمل.
أطرق ساهما حين لاحت صورتها في مخيلته، تململت به بواعث رغبة للقائها، فعاجل لإخمادها قبل أن تستشري في أعماقه، فتنسف كل ما بذل من محاولات لإبعادها، لكنها ظلت تلح عليه كلما مرت الحافلة ببابها، أو ألح المراقب في طلب حصته المعتادة، فيمنع نفسه قسرا عن التفكير فيها، فبدا الأمر ملفتا للبعض في البداية، لكنهم مع مرور الوقت اعتادوا عليه وإن ظلّت قلة من العمال على موقفها منه، خصوصا بعد ما بدر عنه إثر الحادث الذي كاد يودي بحياة الحاج أحمد، إذ بدا ذلك جليا في نظراتهم إليه، تلك النظرات التي كانت تلهب بداخله غضبا كاد في بعض الأحيان أن يقذفه في وجوههم حمما مستعرة، لولا أن لمس الشيء ذاته يهاجمه .
صوت أحد العمال ينتشله من صراع يمزقه : يلعن أبوكم على الصبح.. كل يوم نفس الموال.
فتتجه الأنظار صوب الحاجز المقام على الطريق، يهدئ السائق من سرعة الحافلة.. يشير له أحد الجنود بالتوقف جانبا.. يصعد جندي آخر من الباب الأمامي.. يتفحص الوجوه، ثم يأمرهم بالنزول من الحافلة، يعلو الهمس، فيكرر الجندي طلبه بنبرة تقطر غرورا: كل واخد ينزل حاجته معه .
تتحرك الأقدام مثقلة بالقهر.. تصطف إلى جوار الحافلة.. تحاصرها ابتسامات باهتة لبعض المجندات ولهاث كلب يبدي تحفزا غريبا لأداء مهامه على أكمل وجه، فيصيح شيخ بحدة: أبعد الكلب عني بلاش ينجس ملابسي.
- أسكت يا شيخ هذا كلب طاهر.، رد الجندي باستخفاف مهين.
رنت ضحكات المجندات بخلاعة تثير الغثيان والتقزز، يبتسم الجنود الذين يدققون في بطاقات الهوية، ثم يتابعون الكلب الذي اندفع داخل الحافلة كما لو كان يبحث عن فريسته.. تتصبب الوجوه عرقا رغم برودة الطقس.. تمضي اللحظات طويلة والكل في انتظار أن ينهي الكلب مهمته على خير، فيطل بعض لحظات من الباب.. يقف على عتبته.. يتفرس الوجوه بتمعن.. تثيره بعضها.. يبدو وكأنه يرغب في الانقضاض عليها.. يتريث قليلا ثم ينزل ببطء.
تعاود الحافلة سيرها وسط مزيج غريب من التعليقات والزفرات واللعنات وأحيانا بعض الضحكات، ثم يخيم صمت تغفو على إثره بعض العيون مرهقة بالشقاء وتظل أخرى ساهمة حائرة تحدق في المجهول.
أبطأت الحافلة من سيرها حين أشرفت على المنحنى المؤدي لساحة البناء، فأسرع باتجاه السائق وأمره بالتوقف، يلتزم السائق بالأمر ويفتح الباب.
دلف إلى المكان فرآها خلف البار تعد الشطائر، رفعت نظرها إليه وأعادته دون اكتراث به، هم بالرجوع حينها، لكن قدميه سارتا إلى حيث اعتاد الجلوس، فسألته بجفاء: الوجبة المعتادة؟.
هز رأسه من دون أن ينطق بحرف، الأمر الذي دفعها لإعادة السؤال مرة أخرى، فجاءها نفس الرد، وضعت الأشياء أمامه وانصرفت متحاشية النظر إليه.
أمسك بالشطيرة بتردد.. قضم شيئا منها وراح يلوكها ببطء، ثم ارتشف رشفة من الفنجان حتى تساعده على بلعها، ففاجأه اندفاع الباب الخارجي.. نظر إلى الداخل، فرأى مجندا بلباسه العسكري وسلاحه الرشاش، صاح من فوره: إيما.. إيما.
رفعت رأسها ونظرت إليه.. تهللت أساريرها واندفعت صوبه مشرعة الذراعين.. ضمته إلى صدرها وهي تردد بفرح بادي: جابي حبيبي.. أهلا بك.
راح يتابعهما من طرف خفي.. ينظر إلى المجند الذي بدا في مثل سنه.. إلى بندقيته التي وضعها جانبا ويتساءل محدثا نفسه: ربما كان أحد الذين أوقفونا هذا الصباح، ثم باغته تساؤل أثار الفزع في نفسه: ماذا لو دخل علينا بعتاده هذا وضبطنا متلبسين في حالة كتلك التي كنا عليها في اللقاء الأخير؟.
ينتشله رنين ضحكاتها المجلجل في المكان.. يصيخ السمع للحديث الدائر بينهما وقد توارت هواجسه خلف بخار القهوة المتصاعد من فنجانه.
- ليس في مقدور أبيك أن يفعلها.، عقبت بانتشاء المنتصر.
- لولا أن فعلها ما تمكن من البعد عنك كل هذه المدة.، رد الشاب ممازحا.
- لا تراهن عليه كثيرا، فأنا أدرى منك به والأجدر أن يحرص كي لا أبتعد عنه.، ثم اتبعتها بضحكة رنت في وجهه كالسياط. حاول الهروب منها متذرعا بالبحث عن منفضة السجائر، فمدت يدها إلى شعره تعبث بخصلاته مداعبة، بينما لفه صمت دفعها لأن تسأله: هل تحبه أكثر مني؟.، قالتها بهمس يثير الشجون.
- أنت أمي التي أحبها.
- أوه، ضمته إلى صدرها.. طبعت قبلة على جبينه، فندت عنها نظرة تجاه القابع في الركن، يرنو إليها مشدوها دون أن يختلج له طرف، شعرت بشيء من الارتباك، فحاولت طمسه بالتذرع بأشغالها.. اتجهت إلى البار.. جلبت منفضة وضعتها أمام الشاب.. عادت إلى البار مرة أخرى.. راحت ترتب بعض الأشياء عليه.. سألته وهي ترمق القابع في الركن خلسة: ما مدة إجازتك؟ .
- ثلاثة أيام.
- أوه.. ولم هي قصيرة إلى هذا الحد؟.
- يبدو أن في الأمر شيئا، خصوصا بعد مقتل سفيرنا في البرتغال.
قاطعته بإشارة من يدها، سعت جاهدة لإخفائها عين العيون التي تراقبهم، لكنه استطاع التقاطها من خلال شفاها التي همست بكلمة عربي، فأدركت من نظراته المتقدة بأنه لاحظ فعلها، أشاحت عنه مبدية عدم اهتمامها وجذبت ابنها من طوقه حتى لامس أنفها أنفه وسألته بدلال: ماذا تود أن تأكل ؟ .
لم تسمع رده، بل راحت تتابع الذي غادر المكان حاملا زجاجة الجعة دون أن تبدر عنه إي التفاتة نحوهم.