رحلة العذاب "الجرح" - ج4
أقبل شباط مزمجرا، تصحبه ريح عاتية وسماء داكنة تتوارى نجومها تباعا خلف زحف الغيوم الآتي من بعيد.
تهدأ حدة الريح مع اقتراب الفجر ويذوي صفيرها، ليصبح أنينا تنثره رذاذا يبشر بأول الغيث.
يسرع الخطى متلفعا بملابسه الثقيلة.. يلاحقه خوف من أن تباغته السماء بسيلها.. يزداد خوفه من البلل مع حبات المطر الأولى.. يضاعف من سرعته.. فتضاعف السماء سيلها.. يهرول مسرعا.. تتعثر قدماه.. يوشك على السقوط.. يتمالك نفسه بصعوبة بالغة.. فيشعر بوخزة في ظهره.. يتحامل عليها ويصل إلى حيث يجلس الرفاق.
- اقترب من النار حتى تجف ملابسك، قال احدهم موجها الحديث إليه.
يمرر كفيه فوق ألسنتها المتصاعدة خارج الصفيحة ويحاول مداراة ألمه.
- قد لا تأتي الحافلة اليوم . ، قال أحدهم وهو ينظر إلى السماء متابعا سحبها.
- هاهي قد أتت. رد زميله مبشرا.
- ربنا يستر ما تروح سرحتنا هباء، عقب نفس الرجل قائلا.
- توكلوا على الله.. إن توقف المطر عملنا وإن كان غير ذلك عدنا. قال الحاج معقبا.
- لا أريد مناكفة ابن الوسخة. قال السائق قاصدا بحديثه المراقب.
- توكل على الله ولا تعبأ به.
- اسمع كلام الحاج يا فضل.
- أهلا.. من شهر ما شفنا هالطلة. رد السائق وهو يصافحه بحرارة وانفعال، ثم اتجه إلى الحاج الذي أخذا مقعدا خلف السائق وراحا يتجاذبان أطراف الحديث، فأثنى الرجل على قراره بإضافة أسبوع من عنده، حتى لا يشعر المراقب بأنه رهن إشارته، ابتسم حينها الشاب محاولا مداراة الأسى الذي يعتصر في داخله وقال: عارف يا حاج.. أنا أكره اللحظة التي أركب فيها هذه الحافلة .. بل أكره كل حافلة مثلها أراها متوقفة في نفس الاتجاه.. أريد أن أرى حافلات أخرى.. من نوع آخر.. كفانا ذلا وهوانا.. حاولت في الفترة التي أمضيتها داخل البيت، أن أجد منطقا للواقع الذي نعيش فلم أجد.. أن أجد بديلا عن هذا الجحيم فلم أجد.. حتى أن أحتال عليه أو أصوغ له أو لنفسي الحجج والذرائع فلا أرى جدوى من ذلك، لم يبق لنا سوى التشبث بالكرامة إن استطعنا.
- سامحك الله.. فتحت علي المواجع كلها، اسمع يا ولدي إن كان هؤلاء الملاعين قد ملكوا أسباب القوة والقهر، فلا يعني ذلك انتصارهم علينا.. انتصارهم يكون يوم أن تعشش الهزيمة في نفوسنا وبغير ذلك فالمعركة قائمة بيننا وبينهم.
خفّت حدة الأمطار حين أوشكت الحافلة على الوصول إلى الموقع وتسللت خيوط الشمس عبر الفراغات التي انقشع عنها الغيم موهمة بزوال العاصفة، فقال أحدهم ممازحا الرجل الذي طالبهم بالعودة قائلا: ابسط يا عم.. الشمس طلعت.
- شمس شباط ما عليها رباط . رد الرجل بنزق وضيق.
- هيا يا شباب لقد وصل المراقب. قال السائق لحظة أن أوقف الحافلة بباب المخزن، فانصاع الجميع للأمر وراحوا ينزلون تباعا، دون أن ينظر أي منهم جهة الناحية التي أوقف فيها عربته، وراح ينظر إليهم من خلف مقودها بغضب وازدراء، ثم ترجل منها وقصد المكتب، دس المفتاح في ثقب الباب، ثم صاح بملء فيه: يونس. فقفز الشاب الذي لم يفرغ من ربط الحزام على وسط بعد واتجه صوب المكتب، ألقى التحية، ثم أمسك بإبريق القهوة وخرج تحت زخ المطر قاصدا الصنبور الذي يتوسط الساحة.
ملأ الإبريق على عجل وعاد مسرعا، أشعل موقد الغاز المتربع على مقعد خشبي في ركن المكتب وراح يعد القهوة بصمت.
- هل حضرتم جميعا؟.
- نعم.
- عرب.. كيف لكم أن تعملوا في هذا الجو العاصف؟.
- لم يكن عاصفا حين خرجنا.
- ألم تسمعوا الأخبار.. لقد قالوا أن الجو سيكون عاصفا اليوم.
- كثيرا ما أخطأت الأخبار في ذلك.. علمها عند الله وحده.
- الله.. وهل سيدفع أجرتكم بلا الله .. أنا من سيدفع.. هيا استحثهم على الإسراع في الخروج.
- حاضر.
تململ العمال في أماكنهم.. طل أحدهم من شق الباب.. نظر إلى السماء.. صفر مذهولا وقال: ستمطر سمكاً الآن.
- هيا اخرجوا قبل أن ينفجر المراقب من الغيظ.
- ليته يموت.
تحرك الجمع مثقلا بالعناء.. توزعوا في أماكنهم.. يسري الدم بطيئا في العروق.. تدور العجلة منهكة.. تعبة.. تنثر السماء شيئا من رذاذها، فيوقظ الأجساد الغافية بعد.. يعلو الضجيج كالمعتاد، فتهدأ سريرة المراقب.. يمسك فنجان قهوته الدافئ.. يرتشف منه.. يقلب الخرائط الموضوعة على مكتبه.. تستوقفه بعض الأشياء.. يدقق النظر فيها، يستعيده قصف رعد مفاجئ، يتبعه زخ متواصل للمطر، تتكدر ملامحه وينتابه الغضب، يرى العمال مندفعين صوب المخزن.. يتبعهم إلى هناك دون اكتراث بالبلل الذي أصابه.. يسد الباب بجسده.. يتأمل الوجوه المتراصة إلى جوار بعضها ويصيح كالمجنون: لم أتيتم في مثل هذا اليوم اللعين!.
- لا داعي لكل هذا.. سنرحل إن استمر الوضع على ما هو عليه.
- اخرس أنت ولا تقل شيئا.
- يبدو أن هذا النهار لن يمضي على خير.
- دعك منه يا سمير ولا داعي للتصعيد. همس الحاج بغيظ.
صفق الباب برجله وعاد قاطبا إلى المكتب، ومن ورائه عاصفة غضب تعتمل في الصدور، أحد الشبان أخذ ركن في المخزن وراح يخلع عنه ملابس العمل.. يتبعه ثان.. يطالبهم أحد المسنين من خلف لفافة تبغه بالعودة عن ذلك، فيرد سمير بتحد: لن أرجع عن قراري.
يسعل الرجل بفعل الدخان المحشور في صدره، فيعجز عن الرد.. تنتابه موجة سعال تجحظ لها عيناه وتغيب أنفاسه، مما يدفع أحدهم لأن ينتزع اللفافة من يده ويلقيها بعيدا وهو يصيح بسخط: يخرب بيتك .. راح تقتلك السيجارة وأنت مقرقط فيها.. افتح الباب يا أحمد قتلنا دخانه.
انصاع أحمد للأمر ودفع الباب إلى الداخل، فانساب هواء بارد لم يمهل الشاب أن ينظر إلى صفحة السماء، التي بدت صافية كأنها من شهر آب، تململ العجوز صاحب اللفافة.. استند على الجدار وقال موجها الحديث إليهم: صيفت يا جماعة.
- لن نعمل اليوم حتى نعلم ابن الوسخة كيفية التعامل معنا. قال الشاب المعترض مبديا احتجاجه.
- يا عم خليها على الله. رد أخر معقبا وهو يسير باتجاه الموقع، فتبعه بعضهم على استحياء، ثم انسل البقية خلفهم ولم يبق سوى ثلاثتهم، يراقبون ما يجري بصمت وذهول.. نظر بعدها الشاب إلى الحاج أحمد وكأنه يستشيره فيما يفعل، فربت الحاج على كتفه بحنو وهمس قائلا: اذهب إلى عملك.
تحرك الشاب منصاعا للأمر وسط دهشة واستغراب سمير الذي حيره فعل الحاج، فنظر إليه الأخير نظرة من أدرك ما يجول بخاطره وقال: هيا إلى العمل.
- قلت لن أعمل.
- لا تعاند فتندم.
- لن أندم.
- الأرض لم تهيأ للزرع بعد.. ألا ترى ما يجري.. لم يبق في المكان سوى أنا وأنت وذلك الشاب.
- ها قد قلتها.. يكفني أننا أقنعنا ذلك الشاب.
- وما المانع أن نكسب في كل مرة واحدا مثله.
- هذا تراجع.
- هذا تكتيك.
نادى عليهما المراقب لحظة أن طلا من باب المخزن، قال بنبرة تفوح منها رائحة الانتقام: أخرجا من المخزن عشر شوالات أسمنت وضعوها قرب الرافعة.
نظر كل منهما في الآخر بحيرة وذهول.. لم يبديا حراكا.. بحثا عن صاحب القرار، فلم يجدا له أثرا، كان قد انصرف قاصدا المطعم.
- هيا إلى المخزن. قال الحاج جاذبا سمير من كتفه.
- قلت لك لن أعمل فلمتني.. ها هو يريد إذلالنا.. الانتقام منا.
- لقد جئنا للعمل.. أليس كذلك؟.
- أنا أشفق عليك من هذا.
- أنا شيخ الشباب يا ولد.. هيا أمامي.
اقتربا من كومة الشوالات المرصوصة في ركن المخزن.. انحنى الحاج ليرفع أحدها، فجذبه بقوة إلى الأعلى، ثم ندت عن صرخة حاول كتمها، لكنها كانت كافية لأن تدفع سمير نحوه يكسوه القلق: ما بك يا حاج .
وضع يده على ظهره وحاول جاهدا الاعتدال من جديد، لكنه شعر بوخزة أجبرته على الاتكاء مرة أخرى على الكومة المرصوصة بقربه، أمسك به الشاب وسأل بشيء من الفزع: ما بك يا حاج ؟.
- سكين يا ولدي.. سكين في ظهري.
- ابق في مكانك ريثما أعود .
تركه واندفع خارجا.. جال ببصره في المكان، فلم ير أثرا لعربته.. سأل أحد العمال، فقال هاهو آت من قبل المطعم، أشار بيده يستحثه على الإسراع، فتبدلت سحنته، خصوصا حين رأى عددا من العمال يتجمعون بباب المخزن، سأل أول من صادفه في الطريق عما جرى وحين أخبره بالأمر، بدت سحنته أكثر قتامة وسخطا.
دنا من الحاج الذي حاول جاهدا ألا يبدي ضعفا أمامه، صاح في العمال مستهجنا فعلهم: ماذا دهاكم اليوم.. ألا تنون متابعة أعمالكم!.
فانسحب عدد منهم مغادرا المكان، بينما ظلة قلة إلى جوار الحاج، لم يرغب المراقب في الاصطدام معهم، فسارع بوضع حل يريحه من كل هذا.
- بإمكانك أن تعود إلى البيت وحين تشعر بتحسن تعود للعمل من جديد.
- أنا سأذهب معه. قال سمير مخاطبا المراقب.
- وأنا معه. قال الشاب الذي طرح فكرة العودة في الصباح.
فخرج المراقب من دون أن يعقب بشيء، حاول أن يظهر أمامهم غير مبال بما يقولون أو ما يفعلون، لكن ثورة بداخله استعرت وقد لمس شيئا من التمرد يعتمل في نفوسهم.
بدا القلق والذهول واضحا على وجه المرأة، التي لم تعتد عودته في مثل هذه الساعة من النهار وزاد من وتيرة خوفها اتكاءه على كتف زميله، فسألت ينتابها الخوف: سلامتك يا حاج .. ألف سلامة عليك.
- لا تشغلي بالك.. وجع في ظهري. رد الرجل مطمئنا.
- يمكن لفحة برد. قال سمير وهو يجلسه في مكانه.
- ضروري تشوف دكتور. قالت المرأة مبدية خوفها.
- هي لفحة برد مثل ما قال سمير.
قفزت الصغير إلى حجره. وأخذت مكانها فيه، داعبها متحاملا على آلامه.. سألها عن أخواتها، فردت بأنهن في المدرسة، سألها سمير معقبا: وأنت.. لم غبت عنها؟.
- أنا صغيرة .. لما أكبر أروح.
ضحك الحضور لردها المقنع، فانفرجت أسارير المرأة التي كانت تدور عليهم بفناجين القهوة.. تشجعت الصغيرة لمواصلة الحديث.. أعادت عليه سؤال أربكه: وأنت لم لا تذهب إلى المدرسة؟.
- لأنني أعمل.
- ولم تعمل؟.
- حتى أعيش.
- كان عملت في المدرسة.
- لم أنجح في ذلك.
- لأنك راسب.
تناثر رذاذ القهوة رغما عن الشفاه المطبقة.. انفجر الحضور بالضحك.. احمر وجه الأم خجلا.. رمقتها بنظرة حادة، فأشاحت بوجهها.. أشارت إليها لكي تتبعها إلى المطبخ، فهزت رأسها معترضة على ذلك، رن جرس الباب، فقفزت نحوه مهللة: خديجة.. خديجة.
دخلت الفتاة، فبدا وقع المفاجأة على وجهها، إذ لم تكن خديجة التي جاءت بل سميرة التي تصغرها بعقد من الزمن، بدا الارتباك على وجهها، أشارت بيدها محيية، ثم دخلت المطبخ... سألت أمها عن سر عودتهم المبكر، فاحتالت المرأة وقالت: بسب المطر.
ضج البيت بالزائرين.. الجيران.. الأقارب.. رفاق العمل، جاره الطبيب الذي نصح بإجراء بعض صور الأشعة، فحاول التهرب بذريعة أن ما حدث مجرد نزلة برد وتزول، لكن إلحاح زوجته وبعض الأصدقاء دفعه للقبول، فجاءت النتائج مقلقة بعض الشيء، إذ تبين وجود مشاكل في الفقرتين الثالثة والرابعة، قد تحتاج إلى تدخل جراحي إن تعقد الحالة ولم تستجب للعلاج، الأمر الذي ألقى بظلاله على البيت وكسا وجهه بهالة من الحزن والأفكار التي تغرقه في بحر تساؤلاتها المربكة : هل ينسى موضوع الجراحة ويكتفي بالمراهم والمسكنات؟.، الطبيب أخبره بإمكانية ذلك شرط أن يبتعد عن الأعمال المرهقة.
يبتسم ويعقب قائلا: مقسوم ما تأكل وصحيح ما تأكل وكل لما تشبع. ثم يعود لتقليب الأمر من جديد: ماذا لو فشلت الجراحة؟، قطعا سأمضي بقية عمري في السرير.. يا إلهي خياران كلاهما مر.. من الأفضل ألا أفكر بالأمر مطلقا، ثم صاح مناديا: حبة بندول يا أمينة.
- هذه الحبة الثالثة يا حاج. قالت المرأة مبدية استغرابها.
- أشعر بصداع فظيع.
يرن جرس الباب، تفتح المرأة. يعلو صوتها مرحبا بالقادم، فيسألها الحاج من الداخل: من يا أمينة؟.
- محمد.
يستقبله بابتسامة عريضة.. يضمه إليه.. يسأله بفرح: متى رفعت الجبس عن قدمك؟.
- اليوم ولولا ذلك لما علمت بما حدث لك، فلقد قابلني سمير أثناء عودتي من المستشفى وحدثني بما حصل.
- أهلا بك وحمد لله على سلامتك.