رحلة العذاب "الجرح" - ج2

محمد نصّار قرأها 1,102

اقتربت الحافلة من ساحة البناء، فاتجهت الأنظار صوب المراقب الذي وقف بباب مكتبه متحفزا، نظر إلى ساعته لحظة أن أطلت ثم إليهم ، فكاد وهج نظراته أن يلفح وجوههم ، ثم هز رأسه متوعداً.

-       صباح الخير. قال أحدهم وهو يهبط من الحافلة قاصدا المخزن.

-       صباح الزفت. رد المراقب بغضب.

-       يا صباح يا فتاح. تمتم السائق متذمرا.

-        كان من الأفضل ألا تأتوا. قال المراقب موجها الحديث إليه، دون أن يلتفت إلى العمال الذين واصلوا نزولهم من الحافلة.

-       تعرضنا لحادث.  قال السائق محاولا شرح الموقف.

-       طبعاً.. فأنت لا تعجز عن اختلاق الأعذار وتبعاتها علينا.

-       هي عشر دقائق لا سواها. رد السائق موضحا.

-        احسبها في خمسين عاملاً لترى كم هو الوقت المهدور.

-       حدث الأمر رغماً عنا.

-       في كل مرة تدعي نفس الشيء.

ثم استدار إلى مكتبه مغاضبا، فما كان من السائق إلا أن ضغط على دواسة الوقود بقوة، جعر المحرك على إثرها قاذفا حمما من الدخان الأسود، أجبرت المراقب على الخروج من مكتبه يلازمه السعال والسباب على السائق الذي اندفع بالحافلة مغادرا ومن خلفه ضحكات مكتومة سرت بين العمال الذين كانوا يتابعون المشهد عن بعد، مستغلين انشغاله بموجة السعال التي ألمت به، حتى قال أحدهم محذرا: تحركوا قبل ما يقلب علينا.

فعقب آخر مستهجنا: كل هذا خوف!.

-       أكل العيش مر. ردّ شيخ عركته الحياة .

-       يلعن أبو العيش اللي مغمس بالدم.

تململت الأقدام مثقلة بالهموم .. تئن تحت ثقلها .. تلعن الساعة التي ربطتها بتلك الأجساد الخاوية .. تحاول التمرد .. العصيان ، فيلجمها نداء العقل المتذرع بالستر ونداء المراقب الذي يحسم الأمر بصيحة: يللا  تحركوا.

-       حركة تقصفك وما تبقي .. كأنا عبيد عندكم يا أولاد الكلب.، همس الحاج أحمد بحرقة وغضب.

تفرقوا في المكان مستائين ، فتسري الحياة في الساحة ببطء .. تدب في جنباتها.. يعلو الضجيج في المكان.. محرك المولد.. الرافعة.. خلاط الأسمنت.. نداءاتهم.. الشاحنات الآتية والمغادرة،  عجلة دارت فأعادتهم من جديد إلى واقعهم المر وأنستهم ما كان يراودهم قبل لحظات، نظر المراقب نحوهم وعلى شفته ابتسامة لا تخلو من تشف وارتياح.

دوي يشبه الانفجار تردد صداه في المكان، تلته صرخة دفعت العمال إلى الهرولة نحو مصدر الصوت، اللهم لطفك، ردد الحاج قائلا أثناء ركضه صوب الرافعة.. شق الصف المتجمهر حولها، فوقع بصره على الجسد الممد هناك، نظر إليه بدهشة وذهو ، ثم صاح في العمال قائلا: اطلبوا الإسعاف .

-       أنا بخير يا حاج ، قالها وهو يداري ألما يعصف بقدمه .

-       شو اللي صار معك؟.

-       سقط حجر من الرافعة على قدمي.

-       يوم من أوله... همس الحاج متذمرا.

-       آه.

-       أين الإسعاف؟. كرر الحاج سؤاله مرة أخرى

-       أبلغنا المراقب. ردّ أحدهم قائلا.

التفت ناحية المكتب فالتقت نظراته بنظرات المراقب المتقدة، دنا منهم وشفاه تهمس بأشياء لم تبدُ واضحة، لكن انتفاخ أوداجه دلّ على ما يضطرب في داخله .

صاح بصوت جهور: ماذا تفعلون؟.. اذهبوا إلى أعمالكم.

تململ البعض في أماكنهم.. تريثوا مستغلين انشغاله بسؤال الشاب عن حالته، فتدخل الحاج محاولا شرح ما حدث.

-        وما دخلك أنت؟. رد المراقب بضيق واضح. هيا اذهب إلى عملك .

-       وهذا المصاب؟.

-        لا يعنيك أمره.. اذهب إلى عملك الآن.

-       لن أتحرك قبل أن أرى عربة الإسعاف.

-        حسنا.. ثم غادر قاصداً العربة الواقفة بباب مكتبه.

أقبل حاملا شطيرة وزجاجة جعة اعتاد جلبها كل صباح، من المطعم القريب، ليلجم بها المراقب ويضمن سكوته عن بعض الهفوات التي قد تحدث أثناء العمل وأحيانا غضه الطرف عن بعض الأشياء التي قد تطالها يده من المخزن، مدعما سرقاته تلك بفتوى أحد المشايخ الذين أباحوا سرقة العدو، مع أن الكثير منها كان يحدث بتواطؤ مع العدو نفسه، ممثلا في شخص المراقب، الأمر الذي أثار الكثير من الشبهات حول تلك العلاقة ودفع بالعديد من العمال إلى النفور منه والابتعاد عنه درءا للشبهات، إلا أن قلة منهم كانت تدرك أن الأمر بين الاثنين شراكة.

***

جاء مغضبا على إثر المقابلة الجافة التي قابلته بها، حاول تفسير الأمر أو معرفة الأسباب التي أدت إليه، لكنه فشل وبدلا من نسيان ما حدث، لمعت في ذهنه ذكرى اليوم الذي جمعه بها قبل شهرين، يوم أن وصلت الحافلة إلى الموقع قبل الموعد بنصف ساعة تقريبا، فنزل منها عند أول الساحة واتجه إلى المطعم مسرعا، كانت السماء ملبدة بالغيوم والشوارع خالية من المارة.. اقترب من  الباب.. كان موارباً بعض الشيء، فهمس محدثا نفسه: يخرب بيته.. لمن يعمل بعد هذا العمر!.

ألقى نظرة إلى الداخل، فوقع بصره عليها، كانت تبدل ملابسها أمام المرآة وظهرها إليه، تسمر في مكانه محدقا فيها.. أصبحت حواسه عيونا تنهش في الجسد المقابل بشره غريب.. تمسحه في كل موضع، أشعة المصابيح المنعكسة عليه أضفت على نصاعته أبعادا أخرى، فما عاد  يرى نظراتها المزهوة بانبهاره وهي تتابعه في المرآة، ابتسمت لنفسها.. تلذذت بالحريق الذي أشعلته بداخله .. عادت إليها الثقة بمواضع فتنتها كونها شارفت على الخمسين.

-       أهلا سيدي.. لقد بكرتم اليوم. قالتها وهي تكمل إغلاق الروب دون أدنى اكتراث بالحالة التي بدا عليها.

شعر بدوار خفيف.. اتكأ على أحد المقاعد. جلس حيث أشارت له وقال بعد أن استجمع قواه: أين ديفيد؟.

-       في إجازة خارج البلاد.

قالتها بطريقة أزاحت عن كاهله حالة الارتباك التي تلفه وحركت بداخله بواعث شهوة حاول ضبطها، لكنه قرر أن ينساق في التجربة لآخرها .

ترك مقعده واختار واحدا في الركن المنزوي، فوصلتها الإشارة على الفور.. نظرت إليه وقالت بابتسام: أمن أجل هذا جئت مبكرا؟. ثم اقتربت منه حتى غمره شذا عطرها ودفعته في كتفه بلطف قائلة: أي شيطان أنت.!

-       إذا كنت شيطانا فماذا تكونين ! .، ثم ضربها على ردفها قائلا: أحضري الوجبة .

تأوهت بغنج أعاد إلى ذهنه بعض الإشارات والإيماءات التي كانت ترميه بها خلسة من وراء ظهر زوجها العجوز.

اقتربت منه حاملة طلبه.. وضعت الطلبات أمامه، أخرجت منديلا من جيبها وراحت تمسح الطاولة على نحو جعل عينه تغرس بين النهدين النافرين أمامه، فيعاوده الدوار.. تشعر بما يعتريه، فتعمد إلى إثارته أكثر.. ينزلق العرق على وجهه.. تبتسم وتسأله: هل أنت متزوج؟.

-       لا. قالها وعيناه مغروستان في ذلك الأخدود المحفور بين نهديها.

-       إذن لم تجرب النساء بعد.

-       ربما.

-       كم عمرك ؟ .

-       عشرون عاما.

-       لم تضع الكثير إذن ولكن حاذر أن تضيع الفرص منك. ثم مدت يدها تداعب خصلات شعره، فتراجع جسده مستندا على ظهر المقعد وقد سرى الخدر فيه.. تسللت يدها إلى أرنبة أذنه، فشعر بوهج يصدر عنه، حريق همّ بأن يخمده في أحضانها، لولا أن جاء صوت من الخارج مناديا: راحيل.. راحيل.

-       نعم. ردت وتركته مسرعة صوب صاحب الصوت، فكادت أن تصطدم به.. تنحت إلى الوراء قليلا وأشارت بيدها نحو الثلاجة، فدخل شاب في مقتبل العمر يحمل صندوقا يحتوي على معلبات الألبان، وضعه حيث أشارت له وسألها إن كانت تريد المزيد.

نظرت داخل الثلاجة، ثم قالت دون أن تلتفت ناحيته: صندوق آخر.

أسرع الشاب قاصدا العربة الواقفة بباب المحل، بينما انشغلت هي بإدخال المعلبات إلى الثلاجة غير عابئة بالعيون التي تراقب حركاتها، فوقعت منه التفاتة ناحية الساعة المعلقة على الحائط المقابل، اندفع على إثرها مغادرا.

ظلت تداعب أفكاره طيلة ذلك النهار.. تستحوذ عليها بقوة مفرطة، فلا تبرحه صورة الجسد البض ولا يجافي أنفه شذا عطرها الزكي، تسعره لمساتها، تلاحقه حتى المخدع.. يعتصرها بقوة، فيهرب النوم من عينيه.. تشتكي أضلاعه.. يغمض عينيه، فتتسلل من بين الرموش.. يرنو إلى إغفاءة، فيباغته صوت المؤذن معلنا بزوغ فجر جديد، يلقي الغطاء جانبا.. يلتقط بنطاله.. يدس قدميه باستعجال.. تقابله أمه عند أول الردهة.. تستمهله قائلة: كل شيء يا ولدي.

-       تأخرت يا أمي.

يرشق وجهه بماء الصنبور وينطلق .

في ذلك النهار همّ بالنزول من الحافلة لحظة اقترابها من المكان، لكنه فوجئ بالمطعم مغلقا، أحس بخيبة أمل كبيرة، حتى أن صدى ذلك بدا واضحا في نظرات البعض الشامتة وتساؤل المراقب الذي أثاره كثرة تطلعه ناحيتها، فسأله مستهجنا: هل خلت المدينة من المطاعم!، أم أن لراحيل نكهة خاصة.

-       دعك من المزاح.

-       ليكن.. اذهب واحضر لنا جعة من أي مكان شئت.

-       ها هي أقبلت. قالها بلهفة جاهد ضبطها .

نظر المراقب جهة العربة التي توقفت بباب المقصف وأمعن النظر في المرأة التي ترجلت بفستانها الفضفاض.. تابعها حين استدارت ناحية الجهة الخلفية للعربة.. اتسعت حدقتاه حين انحنت بجذعها لأخذ بعض الحاجيات.. عبثت بالفستان نسمة هواء عابرة ، فكادت عيناه أن تقفزان من مكانهما، ثم هز رأسه وقال هامسا: من المؤكد أن لها نكهة خاصة.

لم يقم وزنا لكلامه ، تركه يحدق في المرأة بأعين نهمة وسار صوب المطعم بخطى متمهلة، إلى أن دخلت المكان، فولج خلفها مترددا، جال بنظره يبحث عنها، فوجدها خلف البار ترتب الأشياء التي جلبتها معها،

اقترب منها.. ألقى التحية ، فانفرجت أساريرها عن ابتسامة وقالت بخبث: لقد تأخرت قليلا.

-       لا حاجة للاعتذار.. اعطني زجاجة جعة وشطيرة، فالمراقب في انتظاري،

-       دعك منه.

-       تركت مكانها خلف البار ودارت باتجاهه.. دنت منه حتى لامس جسدها جسده.. لفحته أنفاسها .. أحس بالوهج يلفح وجهه.. تراجع إلى الوراء قليلا.. صده الجدار.. اتكأت عليه بذراعيها، فلم تدع له مجالا للمناورة.. راح يحدق في العيون التي تشع رغبة.. يباغته دوار خفيف.. يطبق جفنيه مستسلما، فتكسوها نشوة الانتصار.. تطبق عليه .. تعتصره من شفتيه حتى أخمص قدمه.. تصهره اللذة.. يذوب في أتونها، فتداهمه كلمات المراقب.. يطالعه وجهه القبيح ونظراته الماكرة.. يدفعها عنه بلطف، فتحدق فيه مستهجنة . يداري ارتباكه ويقول متلعثما: قد يدخل علينا أحد.

-       وليكن .

-       أنسيت أنك متزوجة!.

-       وما علاقة ذلك!.

-       عندنا الأمر مختلف.

-       دعك من هذا الهراء. واقتربت محاولة إعادة الكرة.

-       أرجوك.. هم في انتظاري.

-       أنت جبان. قالتها بحدة وتراجعت مبدية عدم اكتراثها به.

-       لا  ولكن.

-       لكن ماذا؟.

-       دعيها لفرصة أخرى.

-      ردّت باستخفاف: الفرص لا تتكرر.