عدت إلى غرفتي، فتحت باب الغرفة مطأطئ الرأس فلمعت في ذهني الصورة القديمة لغرفتي الصغيرة... كانت مختلفة بعض الشيء.... كان الغبار كثيفاً فوق اللوحات المعلّقة حتى أنّ ملامحها باتت شبه مختفية، وصورة لغيفارا زادتها الظلمة شحوباً وصرامة. رحت أتصفّح رواية تركتها على…
منذ سنوات غاب محمود وما عاد منسرحاً في ترامي القرية وجنباتها، خَلَت منه الأزقّة والحقول، وافتقده رفيقاه الدائمان: العشب والقشُّ. لم ندرك سرَّ تعلّقه بهما لكنّنا ألفناه يقبض على القشِّ صيفا، وعلى العشب شتاء، وتلك أحجية غريبة تتجاوز حدَّ المعقول، وتضرب عمقاً…
جميل رجلٌ يختلف حوله عارفوه، ففي حين يراه البعض رجلاً عصامياً مستمسّكاً بالقيم النبيلة والمثل الجميلة ومدافعا شرساً عن النظم الاجتماعية، يراه البعض الآخر خيالياً ومثالياً إلى حدِّ الخرافة، كأّما قذفت به السماء من كوكب بعيد لتلقي به على سطح الأرض. ذات صباح…
تعارفنا حديثاًُ، قصدني بعمل، تواعدنا أن نلتقي. بعدها بزمن لمحته وزوجته يجلسان أمام منزلهما، مررت معاتباً، فوجدته غارقاً بالحسابات. بحضنه ابنه، وبيده قلم وآلة حاسبة، فواتير، أوراق، دفتر حسابات الورشة، (ورشة لعمل حرّ في منزله)، وأمامه على طاولة صغيرة ثلاث…
فجأة وجدت نفسي داخل بيت مزدحم بالأطفال. غارق في الضجيج والبكاء البريء، رجل وامرأة قد هدّها الدهر وهدّتها الولادة المستمرة، عجوز مستلق على سرير حقير طوال اليوم، عمّت التجاعيد مساحة وجهه، والبياض شعر لحيته ورأسه، فتيات صغيرات طامعات في كرم الوالدين وحنانهما،…
غمرني تردد ثقيل، وأنا أدخل القسم على تلاميذ البلدة، أن أصارحهم بالحقيقة المرة، أو أحنو عليهم من هول الصدمة وأتركهم في شوقهم الواضح، إذ لم يحدث لي أن وقعت في مثل هذه الورطة من قبل، ولا عرفت تعاملهم مع مثل هذه الأخبار التعيسة، وردود أفعالهم عليها، مما دفعني…
ذات يوم، وعلى غير ما كان يتوقع، راحت بكثير من الحرية والمتعة تؤنّبه، وتلقّنه الدروس في السلوك والأدب، وتقول له كلاماً موجعاً وخطيراً، كأنها أرادت أن تنتقم منه لأسباب دفينة. في الصباح التالي جلس يرتشف قهوته، ويقلّب أوراق ذاكرته باحثاً عن الأسباب. فاكتشف أنها…
إنها الثالثة بعض منتصف الليل. لم أستطع النوم فآثرت النهوض، لأدرس من جهة، ولأقضي على أرقي من جهة أخرى. وقتها سمعت صوت ارتطام شيء ما بالأرض، ثم بدأ صوت مواء يخرج من مِنْوَر البناء في الأسفل. كان صوت قطة صغيرة. لم أهتم كثيراً بأمرها قبل أن أتذكر شيئاً مرعباً،…
تشكل الحديقة المتنفس الوحيد للحي. اعتاد خلال سنوات أن يذهب مع صديقه إلى هذه الحديقة. وسطُ الحديقة فسحة دائرية تحيط بها شجيرات صغيرة من تلك التي تسيج بها الحدائق العامة. يحيط بالسور الشجري رصيف دائري توزعت عليه عربات الباعة التي ينبعث منها صياح المغنين وصخبهم…
((رح حلفك بالغصن يا عصفور...)) صاح منبه هاتفي المحمول معلناً انتهاء نومي.. وبـِـدء قصة غزلي اليومية مع دلّة القهوة, التي تكرهني وأشتهي وصلها.. أعلنت صلبها ورفيقيها "الفنجان وصحنه" على الصينية وبدأت بممارسة هوايتي بالشرود والقرف الصباحي بعد الاستيقاظ من النوم..…
التقيت به في جوانب الحديقة وسألته: _ ماذا تفعل هنا في هذا الجو البارد؟. أجابني: بعد نجاحي في شهادة الباكلوريا، كتبت عشرات الطلبات أطلب فيها عملاً محترماً يقدر ميزة الشهادة الجيدة، وطرقت أكثر من باب شركة ومكتب بنفسي كي أحصل على وظيفة إنسانية أستطيع بها أن…
وكأن الله قضى أن تكون حياتها على الأرض، مضطربة وأن تقضي عمرها منحنية الظهر، تحمل عكّازها المصنوع من خشب الجوز، فلا تطيق الجدة لطيفة أن تخطو خطوة واحدة دون عكّازها، رغم أنها ما زالت قوية البنية ومستقلة في حياتها البيتية ونظرها ممتاز ويمكنها ألا تتكئ على العكّاز…
كانوا خمسة عشر رجلا لوحت الشمس وجوههم، يهلّون من وراء السوق صباح كل يوم بجلابيبهم، يدبّون على الأرض، رؤوسهم مرفوعة، تتأرجح بيد كل منهم عدة البناء من قادوم وإزميل وسكين ملفوفة بقطعة قماش. قادمون إلى العاصمة من قرى الصعيد بالمنيا، وسوهاج، وأسيوط. استأجروا وراء…
كثيراً ما كانت تنزعج مني: لماذا تهتم بالكتابة أكثر مني؟. وكنت أجيبها: لأن الكتابة لعنة ونقمة. تضع رأسها على المخدة وهي تهمس كالمجنون كلاماً لا أسمعه إلا قليلاً: أحمق، يتركني، وينزوي إلى الكتابة. حين بزغ القمر، راقبتُه كل ليلة طويلاً بدون اكتراث لي. وحين…
كثيرا ما أتذكر بالتقدير والمحبة عبد الفتاح الجمل (1923- 1992) الكاتب والصحفي ودوره في الستينات. حينذاك كان الملحق الأدبي بالأهرام منبراً للكبار الراسخين أما الصفحة الثقافية التي أشرف عليها الجمل في جريدة المساء فكانت على العكس منبراً لمن لم يسمع أحد عنهم من…
جلستُ إلى مكتبي منذ الصباح الباكر، وألغيتُ ارتباطاتي، اتصلتُ بالممرّضة وطلبتُ منها أن تلغي كلَّ مواعيد المرضى في هذا الصباح، أقفلتُ جوَّالي، أعيدُ حساباتي من جديد... كنتُ أحاول الهربَ من الكمِّ الهائل من الذكريات التي هجمتْ على ذاكرتي ليلة الأمس، واستمرَّت…
.. كنا في الطريق إلى بيروت، وكان مقرّراً أن نواصل المسير إلى وجهتنا، لكنّ مرافقيّ العزيزين أصرّا علي التوقّف لتناول الفطور، ولم يكن بإمكاني سوى الإذعان وإلا فإنّ التذمر سيكون سيد الموقف بقية الرحلة. نزلنا في طلب ما نسكت به جوعنا الصباحي، وما إن اقتربت من…
هذه الأجساد لا يمكن إحصاؤها، لقد انتشرت تماماً وغطت صفحة الشاطىء كله، وحينما حضرت الأمواج وتعدت فيهم بالماء تشتتوا كثيراً في الفضاء ليعودوا بعد رجوعها إلى الأصل، جذبتني أفعالهم المتعمدة وهم يتراجعون إلى أماكنهم. رسمتهم لوحة ورائحة البحر ترشدني، ونظرت فيها…
أنتم لا تشبهون أمي ولا زوجتي (قصة قصيرة من خمسة مشاهد سيتم نشرها بالتسلسل. وبعد المشهد الخامس تنشر في ملف كامل – جماليا) أكرم ابراهيم 5 من 5 منذ ما يزيد عن ربع قرن قرأت قصة لكاتب أسترالي ما تزال ملتصقة بذاكرتي حتى الآن. تتحدث القصة عن حمار مربوط على مدخل…
السيد كمال أعلن إفلاسه، وتقدم للمحكمة بدعوى لإعلان الإفلاس، التي لم تجد سبباً وجيهاً لرفض طلبه، رغم ان الاعتراضات والشكوك التي قدمها الدائنون للمحكمة، ضد إعلان إفلاس السيد كمال كانت كثيرة. المحكمة رأت أن شكوك المعترضين مبنية على تخمينات دون أي إثبات عملي،…
بدون سابق انذار تغير الطقس. كان صباحاً بارداً جداً وماطراً، الأمر الذي uhr أعاق وصول بعض الطلاب في الوقت المحدد لبدء الدراسة. شعر المتعوقون ببعض الرهبة، بان يكون المحاضر قد سبقهم، دون ان يؤثر اختلاف الطقس على توقيتاته المبالغ فيها، وما سببه اختلاف الطقس…
أنتم لا تشبهون أمي ولا زوجتي (قصة قصيرة من خمسة مشاهد سيتم نشرها بالتسلسل. وبعد المشهد الخامس تنشر في ملف كامل – جماليا) أكرم ابراهيم 4 من 5 كثيراً ما يقول لي صديقي أثناء مشوارنا إذا ما رأى امرأة جميلة: ما أجمل النساء!. يقولها بأشكال مختلفة حسب درجة إعجابه.…
(قصة قصيرة من خمسة مشاهد سيتم نشرها بالتسلسل. وبعد المشهد الخامس تنشر في ملف كامل – جماليا) 3 من 5 يقال أن الضربة التي لا تكسر الظهر تقويه. لقد ابتليت منذ بداية مراهقتي بعادة سيئة هي عصر حب الشباب في وجهي. ليت الأمر يقتصر على أنها سيئة؛ كلما فكرت أو انفعلت…
كان نهراً غاضباً يمتد على طول الطريق، فإذا كنت في أوله، أغراك الماء بلونه ورائحته، فلم تشعر إلا بالبرودة الفتاكة، بالعطش والإرواء في آن، على الضفة كنت واقفاً أراقب المنظر الإشعاعي وبيني وبينه بضع خطوات... أنظر إليه في استغراب، متردّداً في محادثته، وعندما كنت…