فنــــجان قــــــهوة
((رح حلفك بالغصن يا عصفور...))
صاح منبه هاتفي المحمول معلناً انتهاء نومي.. وبـِـدء قصة غزلي اليومية مع دلّة القهوة, التي تكرهني وأشتهي وصلها.. أعلنت صلبها ورفيقيها "الفنجان وصحنه" على الصينية وبدأت بممارسة هوايتي بالشرود والقرف الصباحي بعد الاستيقاظ من النوم.. فجأة زلزلني طرق عنيف على باب مخيلتي المظلمة.
انتفضت وتلمّست طريقي بين ركام بقايا الأفكار المبعثرة هنا وهناك, والتي لاحظت زيادة في طبقة الغبار التي تكسوها... توقفت قليلاً أتأملها باستغراب و أتساءل عـمّا حلّ بــها..؟؟
كيف وصلت إلى هذه الحالة..؟؟ ‼ مع أنني أذكر -على الرغم من ضعف ذاكرتي- أنني أقوم بتلميعها يومياً هي والحذاء سواسية, لكن الباب الذي عاد للصراخ من جديد لم يمهلني كثيراً..
هرعـت مسرعـاً علـى قــدم واحـدة بـعد أن دخــل في قدمـي خــازوق لم أره بســبب ظلـمة هـــــــذا الزمان العجائبي.. فكّرت وأنا أركض قافزاً، من أين أتى هذا الخازوق..؟
ــ كيف تسأل مثل هذا السؤال؟ ــ ((قلت لنفسي..)) وهل لمثلك أن يسأل مثل هذه الأسئلة الغبية.؟؟؟
أجابت نفسي: نعم.. أنا ربّ الأسئلة الغبية..... أراحتني هذه الإجابة.. أو بالأحرى نصــفها الأول.. (كوني ربّاً).. وتظاهرت بعدم ملاحظة النصف الثاني منها.
طرت على قدم ٍ واحدة وأنا أدعو ألا ّ أتخوزق بالقدم الثانية، ولكن الله رؤوفٌ رحيم, فقد أوصلني إلى الباب وأنا أملك ساقاً تتمتع بكامل قواها العضلية..
الحمد لله على نعمتـه. قلـت لنفـسي وأنـا أفتـــــح الباب, ففوجئت بــ: ((كان وأخواتها)), غاضبات, مزمجرات, مكشرات عن أنياب تشبه الخازوق الذي كان في قدمي, والذي بات واصلاً لفوق الركبة, سألتهن بشيء من الدهشة وكثير من الرعب:
ـــ ما بالكن أيتها الناقصات...؟؟؟
أجابتني الآنسة ــ كان ــ ((آنسة...؟؟؟ ولكنها منذ زمن بعيد باتت ثيّب..‼ )) أجابتني بصفتها الناطق الرسمي باسم كل ناقصات الأرض:
ـــ أو تسأل يا ((لاشيء))..؟ ‼ وهل يحق للآلهة أن تطرح مثل هذه الأسئلة ؟‼ ((كوني رب ))..
مسحت العرق المنساب على جبيني وأنا لازلت في حيرة من هذا الهجوم المفاجئ..
ـــ عفوك مولاتي ـــ وانحنيت حتى أحسست بالوحل يجبل على جبيني, فأدركت أنه مزيج عرقي مع الغبار الذي يزين أفكاري المسجّاة..
مدّت الآنـسة "كـــان" يدها ووضعتها على رأسي, وقالت بجلالٍ ووقــارٍ أعشقهما ((ولكنني لا أمــلك منهما فلـساً واحــداً ))..
قالت: قف يا "لاشيء", فوقفت, تابعت الكلام وهي تنظر إليّ من علوِّ 20000 متر:
ـــ هل أضعت شيئاً ؟؟..
فوجئت بالسؤال, فدسسْتُ يدي في جيبي, التي أسرعت بإحصاء الشعيرات المنثورة فوق فخذي, وكان هذا ما يحصل معي دائماً عندما أضع يدي في جيبي, فأدركت بارتياح أنني لم أفقد شيئاً..
ـــ قلت لها: لا أعتقد ذلك..
زمجرت أختها "بات" ومدت إصبع اتهام طويـــل, طويل جداً, كالإعصار اخترق عيني من قزحيتها مثيراً الغبار من قيعان أنهر الدمع التي جفـّـت, واستقرت أخيراً في مكانٍ ما داخل صندوق الرأس..
ـــ قالت: ما هذا..؟؟‼
حاولت جاهداً أن أتعرف على هذا الشيء ولكن عبثاً فعلت..‼ لقد كان غامق اللون, أعتقد أنه متفحم, حجمه لا يتجاوز حجم تفلة إنسان مصاب بالتهاب جيوب متقيح, وشكله يشبه.. آ آ ه ه... لقد تذكرت الآن, قلت لها بكل بفخرٍ وثقة:
ـــ إنها أحلامي, ولكن مهلك سيدتي, لا تفزعي, فهي وردية اللون أصلاً, ولكن عندما حاولت أن أطلقها امتزج لونها بلون فرحي الغامق.
في الحقيقة إن ما حصل لها هو عملية فيزيائية بحتة تدعى قانون الانتثار على ما أعتقد، أو قانون الحلول, وهو قانون لا يعلو فوقه قانون سوى قانون الله والقدر, وبما أن الله يقاطـــع المادة والفيزياء لــم يحاول أن يتدخل في هذه العملية..
هنا تدخلت الوصيفة الثانية "أصبح" وقالت برقــّة:
ـــ ولكن كيف انكمش حجمها إلى هذا الحد؟!!
قاطعتها جلالة الملكة "كان":
ـــ لأنه فقد شيئاً له علاقة بها, ولنفس السبب أصبح اسمه "لاشيء"!!!..
عندها أدركت أن المسألة خطيرة، زحفت إلى الداخل مسرعــاً بعد أن تلقيت خازوقـاً آخر في قدمي الأخرى, وطفتُ بعينيّ "التي لم تفقأها السيدة بات بعد" على كنوزي المدفونة تحت الغبار، في الحقيقة للغبار فضيلة إذ أنه بإمكاننا ومن نظرة واحدة معرفة إن كان هذا الصندوق قد فتح أم لا من منظر الغبار الذي يعلوه، وإذا بصديقي العنكبوت، يختال ببزّته الجديدة، استوقفته لأسأله إن كان قد وجد شيئاً يخصني, لكنه أعرض عني وتابع سيره, ثم عاد وتوقف وسدّد نحوي نظرة عتب وقال:
ـــ أنا لم أعد صاحبك..
ـــ قلت له: ولماذا؟‼
ـــ قال: لأنك لم تبارك لي بالبيت الجديد..
فسألته وأنا أضحك مطيّباً خاطره:
ـــ منذ متى غيّرت سكنك؟؟..
ـــ هـو.. هـو.. منذ زمن طويل..
ـــ ولماذا غيرته؟
ـــ قال: لقد انتقلت لأسكن فوق صندوق تفكيرك..
ـــ وما السبب؟؟؟..
ـــ فقال: لعدة أسباب، أولاً في سكني الجديد من العفونة ما يجلب حشرات تكفي لإطعامي أنا وأولادي.. وأولاد أولادهم و..
ـــ قاطعته: وثانياً..
ـــ قال وثانياً لأن بيتي السابق قد دمّـر بعد فتح الصندوق....
ـــ وثالثاً: ..
لم أسمع ما قاله حول ثالثاً لأنني ركضت بفزع ٍ نحو بيته القديم.. فقد كان فوق صندوق شخصيتي.. وفتح الصندوق معناه ضياع ما فيه..
ـــ يا ويلي ((قلت في نفسي ))، لقد ضعت..
وصلت بعد أن قطعت آلاف وآلاف الأميال التي تفصل بين صندوق تفكيري وصندوق شخصيتي، ويا لــهول المنظر!!.. فقد كان بيت العنكبوت مخرباً والصندوق مفتوح وفارغ!!.. فارغ؟؟‼ يا إلهي، أين شخصيتي؟‼ لقد كانت فيه ترقد بسلام؟؟.. لقد ضاعت، لا بل سرقت‼, نعم لقد سرقت..
تراجعت إلى الوراء بخوفٍ وحزنٍ وغضبٍ, فأحسست بشيء باردٍ يخترقني من ((.......)) آآآه ه...
إنه خازوق جديد!!.. لم أهتم به كثيراً لأن حجم المصيبة أكبر بكثير من حجمه..
عندها قررت أن ألجأ إلى من هم في خدمة الشعب.. حين وصلت كان الوقت قد أصبح ظهراً، أدخلوني إلى غرفة يجلس في صدرها رجلٌ تلتمع على كتفيه نجوم المجرة كلها، (كان الوقت ظهراً ) نهض بوجهٍ بشوش وتوجّه نحوي بكل ما يحمله على كتفيه من نجوم (والوقت ظهراً)..
ـــ ما هو اسمك؟؟..
فتحت فمي لأجيب، لكنني فوجئت بأنني نسيت اسمي!!.. فقلت له بشيء من النباهة (وكثير من البلاهة) لاستدراك الموقف:
ـــ أنا مواطن، وقد جئت لأقدم شكوى.... نظر إليّ متفحصاً..
ـــ وما هي شكواك؟؟..
ـــ لقد ضاعت, لا بل لقد سرقت شخصيتي..
ـــ فصرخ: مــاذا؟؟!!... ولمـاذا لم تحاول إيقاف السارق؟؟.. ولكن.. آآه " المال الداشر بيعلم الناس عالسرقة".. على كل حال ما علينا.. أين كانت آخر مرة تراها فيها؟..
آخر مرة.... آخر مرة......... هل يعلم هذا الرجل أنني مندهش من طول شاربيه؟... لقد كانت يده تعبث بشاربه حينما سألني هذا السؤال.. في الحقيقة كانت يده تنطلق بسرعة الضوء في محاولة لبلوغ نهاية شاربه الذي يمتد إلى ما وراء المجرة المنثورة على كتفه.. كنت دائماً معجباً بهذا الشارب الطويل.. ولطالما تساءلت عن الطريقة التي يتعامل بها مع شاربيه حتى باتا بهذا البعد الفلكي.. أذكر أنني كلما رأيته كنت أشد شاربيّ في محاولة لإطالتهما ولكن في كل مرة كانت محاولتي تنتهي (إلى جانب فشلي) بحصاد لعدد لا بأس به من شعيرات شاربي البائسة، وبقيت أحاول وأحاول حتى غدوت؟؟؟؟؟؟......
أنا أكره هذا الرجل، بسببه كنت أحس بأن شاربي هما شاربي مراهق، وبسبه أيضاً ودعتهما إلى الأبد.. وبسببه أصبحت كخصيٍّ عند الفرعون...
أين كانت آخر مرة أراها فيها؟.. كانت يده تنطلق في رحلتها الكونية الثانية باتجاه الشارب الذي يقع في الجهة الثانية..لا أذكر أين رأيتها آخر مرة, هذا طبيعي.. فأنا لا أذكر اسمي فكيف لي أن أذكر شيئاً مضت عليه قرون وقرون..
فتحت فمي محاولاً المماطلة ببعض العبارات ريثما أتذكر ما هو اسمي وأين كانت شخصيتي لآخر مرة أراها فيها.. ولكن محاولتي كانت فاشلة.. ذلك لأن الخازوق الثالث الذي اخترقني من (......) كان قد وصل إلى حلقي ومنع الكلام من الخروج.. ولكن كعادتي لم أستسلم، استجمعت كل قــواي وأطلقت صرخة قوية كانـت كافية لإيقاظي من النوم!!.. نهضت من فراشي متثاقلاً, جلست قبالة فنجان القهوة وبدأت بممارسة هوايتي الصباحية، وفجأة زلزلني طرق عنيف على الباب!!.....
حمــــص - 2010
sfk@maktoob.com