صعيدي - قصة قصيرة

د. أحمد الخميسي قرأها 1,494

صعيدي - قصة قصيرة 

كانوا خمسة عشر رجلا لوحت الشمس وجوههم، يهلّون من وراء السوق صباح كل يوم بجلابيبهم، يدبّون على الأرض، رؤوسهم مرفوعة، تتأرجح بيد كل منهم عدة البناء من قادوم وإزميل وسكين ملفوفة بقطعة قماش. قادمون إلى العاصمة من قرى الصعيد بالمنيا، وسوهاج، وأسيوط. استأجروا وراء سوق صقر قريش شقة مشتركة ثلاث حجرات الصالة واحدة منها، ليس بها شيء ولا قطعة أثاث واحدة، فقط صنابير المياه والمسامير التي انغرست في الجدران ليعلقوا عليها الجلابيب. استأجروها بأربعمائة وخمسين جنيها في الشهر يدفع الفرد منهم ثلاثين جنيها، يثوبون إليها كل مساء بعد نهار منهك، يغتسلون من عرق العمل وترابه، يشربون أكواب الشاي مع السجائر، ويتبادلون كلمات قليلة. "من يشتاق إلى أهله في أسيوط؟"، "من أرسل كم جنيها إلى أمه بالبريد؟"، و "من مرض له ولد؟"، ثم يرقد كل خمسة في حجرة، متلاصقين كأصابع كفتة في صينية. في الصباح يخرجون من وراء السوق إلى الشارع الرئيسي، يدبّون برؤوس مرفوعة، ويقصدون الرصيف المقابل لموقف الأتوبيسات، يقرفصون على الأسفلت في صف بطول الرصيف، يضعون العدة على الأرض، ويبزغ أمام كل منهم طرف إزميل مدبب يبرق تحت ضوء الشمس إعلاناً عن أن هناك بشراً يبحثون عن أشقِّ أنواع العمل. يقرفصون مثل خمسة عشر فماً جائعاً وعنيداً وصامتاً، يشبهون الصلابة واليأس، ويشبهون حرباً تحتشد، كل ما فيها جاهز للقتال، لكن الهدف لم يظهر بعد.

صباح اليوم، كان الجو حاراً بشكل لم يسبق له مثيل، الهواء ساخن. قرفصوا كعادتهم وخفقات قلوبهم تتواصل من قلة الهواء والضوء الرهيب والعطش ينتظرون أن يظهر زبون باحثاً عن عمال. وفجأة توقفت أمامهم سيارة زرقاء خرج منها رجل ملتح، فنهضوا كلهم كمن لسعهم تيار كهربائي متدافعين ناحيته، تحلقوه. "أمرك يا بيه. نقل موبيليا. هدِّ حيطة. بناء". قال إن لديه سور حديقة تهدم ويريد إزالته، ويلزمه عاملين. عادة كانوا يتصايحون ويتزاحمون ويلوّحون بقبضاتهم ويعرض كل منهم سعراً أرخص من الآخر، لا بدَّ من القتال حتى آخر رمق لانتزاع الزبون، هذا قانون الصراع ولا رحمة فيه، وجميعهم يعرف ذلك، لكنهم هذه المرة، أفسحوا فرجة صغيرة بين أكتافهم لجمال، تراجعوا قليلاً بوجوههم الخشنة لكي يجد هو طريقه إلى الزبون، لأنه كان أصغرهم سناً، ولم يسعده الحظ بعمل منذ أسبوع. عاينه الزبون وقال له: أنت صغير.. والشغل اللي عندي عاوز رجالة جامدة. هجموا من جديد حتى اختار الرجل اثنين من بينهم ركباً معه وانصرف بهم.

عادوا يقرفصون في جلستهم، يدخّنون ويختلسون النظر إلى جمال من وقت لآخر. كان رأسه المرفوع تحت الشمس يترنّح قليلاً من الصهد والجوع، ثم ينتفض في رجفة مستعيداً توازنه. لم تكن لديه خبرة بعد في انتزاع الزبائن والمزاحمة بالأكتاف والمفاصلة على أجرته. كلهم بدأوا هكذا بمشقة. بعد ربع الساعة توقفت سيارة أخرى جديدة تلمع. هبوا جميعاً واندفعوا إليها. قال صاحب السيارة لمن هجموا عليه: أريد عاملاً واحداً فقط. في الخلف كانت تجلس طفلة في العاشرة رأت جمال فصاحت بأبيها وهي تشير بإصبعها: بابا.. خذ هذا. نظر إليه وأشار له أن يركب إلى جواره. ركب وربطة الشغل بيده. واندفع صاحب السيارة للأمام يتخلص من الحشد. قطعت السيارة نحو مائتي متراً، وتنحنح جمال يسأل: الشغل إيه؟. قال له الرجل: أنا بيّضت الشقة عندي وتركها العمال بالبقع في كل مكان. تحتاج تنظيف. التفت جمال ناحيته بجانب وجهه متسائلاً: مسح وكنس يعني؟. قال: نعم. ترنحت رأس جمال، ثم شدّ رقبته لأعلى واكتسبت ملامحه صرامة الصعايدة قائلاً بصوت منهك: الصعايدة ما يشتغلوش في المسح. عاد به الرجل إلى حيث صادفه. هبط من السيارة، ثم أحنى جسمه إلى النافذة نصف المفتوحة واشار إلى زجاجة ماء قرب الرجل وقال له: ممكن بج ميه؟.

أحمد الخميسي – كاتب مصري

Ahmad_alkhamisi@yahoo.com