أمير زكي وقصصه الجميلة

د. أحمد الخميسي قرأها 1,561

أمير زكي وقصصه الجميلة

كثيرا ما أتذكر بالتقدير والمحبة عبد الفتاح الجمل (1923- 1992) الكاتب والصحفي ودوره في الستينات. حينذاك كان الملحق الأدبي بالأهرام منبراً للكبار الراسخين أما الصفحة الثقافية التي أشرف عليها الجمل في جريدة المساء فكانت على العكس منبراً لمن لم يسمع أحد عنهم من قبل. قدم الجمل أمل دنقل وعبد الرحمن الأبنودي ويحيي الطاهر عبد الله ومحمد البساطي وكثيرين ممن صاروا أعلاماً. أتذكر الجمل كلما التقيت بشاب موهوب حقاً لكنه لا يعرف طريقاً للنشر. الآن أقدم هنا قصة " لاكي" لكاتب أنتظر منه الكثير هو أمير زكي. يمكنك أن تتأمل موهبة القصاص الكبيرة في الجملة الأخيرة من القصة "فقد يتلاشى الليل في أية لحظة"!

"كنت أسير بجانب المسرح القومي وفوجئت بلافتة تقول أن مسرحية فى انتظار جودو تُعرض الآن، لم أر المسرحية مشخّصة من قبل، لذلك لم أضيّع الفرصة وقررت اللحاق بالعرض. وجدت منفذ التذاكر مغلقاً، بل وكانت ساحة المسرح كلها خالية، فلم يكن هناك رجال أمن أو عاملين، ولم يوقفني أحد ليسألني عن تذكرتي حتى دخلت قاعة العرض.

فى القاعة كان عدد الجمهور لا بأس به، وكلهم كانوا مأخوذين بأحداث المسرحية، نظرت إلى الممثلين على الخشبة، وعرفت أن الفصل الأول قد تجاوز منتصفه، حسب تسلسل الأحداث الذى قرأته فى الكتب، فقد كان لاكي ينهي مونولوجه المفكك وفلاديمير واستراجون يحاولان إسكاته، وما لفت نظري هو الممثل الذى يقوم بدور لاكي فقد كان قوي البنية وطويل طولاً ملحوظاً، بما لا يتناسب مع لاكي، أمعنت النظر فيه فإذا به صمويل بيكيت نفسه.

إلى جانب دهشتي كانت فرحتي غامرة، ها أنا أشاهد مسرحية "في انتظار جودو" وبيكيت بنفسه يمثل فيها، وسريعاً تحسّست طريقي فى الظلام وجلست على أحد المقاعد. فيما بين الفصلين سألت الرجل الجالس على المقعد المجاور : - أستاذ، هل تعرف الممثلين؟

فنظر إليّ نظرة باردة ولم يُجب، فسألت بوضوح أكثر: - هذا الذى يمثّل دور لاكي. هل هو صمويل بيكيت حقاً؟. فظلّ الرجل على نظرته وصمته. بالطبع شعرت بالإهانة، فالرجل لا يحترمني إذ لا يرد على سؤالي، لكنى لم أدع هذا الشعور يطغي علىّ و يعكّر صفو هذه الليلة الرائعة. في الفصل الثاني بدأت الأحداث تمرّ كما قرأتها فى الكتب، وكنت مستمتعاً إلى أقصى حدٍّ ومأخوذاً بهذا الجو المسرحي الرائع، ولكني أيضاً كنت أنتظر ظهور لاكي لأشاهد بيكيت مرة أخرى، ولكن عندما حانت لحظة دخوله على خشبة المسرح لم يظهر، وما حدث أن بوزو دخل المسرح وحده وبدأ يؤدي دوره، بالطبع امتعضت جداً من هذا التسيب لدرجة أنني صرخت: - أين لاكي ؟ لقد أفسدتم المسرحية؟!

تململ الجمهور من صراخي وطالبني بالصمت، كنت أشعر بالمسؤولية لذلك حاولت إقناعهم بأن لاكي يدخل مع بوزو فى الفصل الثان] كما حدث فى الفصل الأول، وأثار استيائي أن الممثلين كانوا يؤدون عملهم كأن شيئاً لا يحدث، صرخت فيهم مرة أخرى: - هذا تحريف للنص الأصلي، كيف يقبل بيكيت بهذا؟. وهنا أوشك الممثلون على التوقف، وأوشك الجمهور على الإقتناع، ولكن رجال الأمن تدخلوا لإسكاتي وطردي، أنا لا أعرف من أين جاؤوا فلم أر أياً منهم عند دخولي، والمؤسف أنني لم أجرؤ على ردهم عن إهانتي وطردي لأنني بلا تذكرة تخوّل لي الدخول. قلت لهم : - دعونى أتفاهم مع صمويل بيكيت، أنه هذا الذى قام بدور لاكى وظهر فى الفصل الأول. ولكنهم لم يفهموني، فهم لا يعرفون الفارق بين لاكي وبوزو وفلاديمير واستراجون. بعدما طردوني خارجاً، وقف اثنان منهم على بوابة المسرح لمنع] من التسلل، ولم يبق أماميسوى حلٌ واحد، هو أن أنتظر بيكيت حتى يخرج، وتمنيت أن لا يكون قد خرج بعد انتهاء الفصل الأول، وأثناء انتظاري كنت أفكر: هل قبل بيكيت بأن يدخل بوزو بدون لاكي، أم أنهم قد منعوه من الدخول لغرض ما، ووراء أفكاري كان شكي يتردد: هل من رأيته في المسرحية كان بيكيت حقاً؟ ووراء أفكاري وشكي كان خوفي يلازمني، فقد يتلاشى الليل فى أى لحظة.

 أحمد الخميسي. كاتب مصري

Ahmad_alkhamisi@yahoo.com