انصرف من أمامي أيها المغفل * - قصة قصيرة

نبيل عودة قرأها 1,404
  

Nabeel%20Odeh.JPG 

السيد كمال أعلن إفلاسه، وتقدم للمحكمة بدعوى لإعلان الإفلاس، التي لم تجد سبباً وجيهاً لرفض طلبه، رغم ان الاعتراضات والشكوك التي قدمها الدائنون للمحكمة، ضد إعلان إفلاس السيد كمال كانت كثيرة.

المحكمة رأت أن شكوك المعترضين مبنية على تخمينات دون أي إثبات عملي، بان السيد كمال يقوم بخدعة حتى يتهرب من دفع ديونه. السيد كمال باع سيارته، وباع بيته، واستأجر بيتاً في حي فقير، بالكاد يتسع له ولزوجته ولأبنائه الأربعة، وتسجل كعاطل عن العمل سعياً لضمان الدخل من صندوق الدولة، حتى يجد عملاً يعيل به زوجته وأولاده... او يعود الى تجارته وأيام عزه، عندما كانت الأموال تتدفق بين يديه بلا حساب، ولكنه لم يفكر بيومه الأسود، ولم يتوقع ان تتجاوز مصاريفه الشخصية، على نفسه وعلى أصحابه، أرباح تجارته، مما جعله "يأكل رأس المال" كما قال له المحاسب.. فيعجز عن تسديد ديونه، وتتكاثر عليه الحجوزات والمصادرات حتى صار "على البلاطة" بحالة مالية يرثى لها.

السيد كمال تاب الى ربه بعد إفلاسه، مبتعداً عن حياة المجون التي قادته إلى حالة الإفلاس، وعمل بنصيحة رجل الدين الذي تاب على يده، بأن لا يفوّت صلاة ولا يستهتر بقوة الله وعظمته.. وان الله سميع مجيب، اذا تاب حقاً وليس خدعة أخرى للتهرب من دفع ديونه، يتهمه الدائنون.. فأقسم كمال بكل الغالي على نفسه، بانه حقاً تاب وهو نادم على ماضيه وضلاله الذي دمر حياته. وانه يريد البدء بحياة جديدة نظيفة.

وحقا بات تواجد السيد كمال في الصلاة منتظماً، ويستمع للمواعظ الدينية، ويطلق يديه الى أعلى راجياً الأب والإبن والروح القدس ان يعيدوا اليه مجده السابق، ليعمل على خدمتهم بدل أصدقاء السوء وقضاء السهرات في نوادي القمار، وفي مخادع الزانيات وفي بارات الرذيلة والسكر.

وتمر الأيام، والسيد كمال يتواجد في كنيسة الله، وقد أدخل في توجهه للمخلص الرب نداءً حارقاً ان يقع في نصيبه الفوز بجائزة الياناصيب الكبرى، التي تقفز أحياناً الى عدة ملايين من الدولارات.

كان يجثو ساعات أمام الهيكل خاشعاً في صلاة حارة، تقطع نياط قلب من لا يعرف السيد كمال في أيام عزه، وما قاده الى هذه الحالة البائسة. ان من عرفه في أيام غناه وسطوته حين كان لا يسجد الا أمام التنانير والشعر الحرير... سيصعق اذا شاهده اليوم يسجد ذليلاً امام تماثيل صمّاء؟!

في إحدى صلواته قال بصوت مسموع وحارق:

"هل كثير عليك يا الهي ان تجعلني أفوز بالجائزة الكبرى في الياناصيب؟.. أليس ابنك الذي أرسلته ليخلصنا هو من قال: "اقرعوا يفتح لكم، ابحثوا تجدوا؟" ألا ترى حالي في الحضيض؟ لا أجد ما أطعم به اولادي، وها انا منذ سنتين أرجوك وأقرع أبوابك وأبحث في كنيستك، لعل الياناصيب الكبير يكون من نصيبي، فأبني لك كنيسة جديدة، وأتبرّع للمحتاجين، ولا أقوم الا بأعمال الخير، فقط افتحْها بوجهي كما أغلقتها بوجهي حين رأيت ضلالي!!

الكاهن الذي أرشده للإيمان وطريق الخلاص، استمع اليه صامتاً، وتألم لحال السيد كمال. وكثيراً ما حثّه ان يشمّر عن ذراعيه ويجد عملاً. "العمل لإعالة الأولاد أهم من الصلاة".. "تواجدك في الكنيسة ليس حلاً لضيق الحال". كما كان يصر ابونا الخوري... ولكن كمال يتحجج بأنه لم يعد قادراً على الأعمال الشاقة، مكتفياً بما يحصل عليه من صندوق العاطلين عن العمل. وقد غير الخوري نهجه مع كمال مرات عديدة، ليخفف من غلوائه في الصلاة والطلب من الرب ان يكون من نصيبه الربح الكبير.

 حاول ان يقنعه مثلاً، ان الربح الكبير ليس في هذه الدنيا، انما في الحياة الأبدية، التي ستكون من نصيب المؤمنين الصادقين والطيبين، منفذي تعاليم الرب. هناك في الآخرة السعادة الكبرى والربح العظيم.. حيث الحياة الأبدية بين الملائكة والقديسين.

مرة سأله السيد كمال:

- ولكن يا ابتي الكاهن، ماذا يضر الله لو رزقني بالياناصيب في هذه الحياة الفانية، لأعمل على زرع تعاليمه، وأعيش حياة طبيعية بوفره وهدوء بال والعمل الصالح، وأضمن السعادة الأرضية والسعادة الأبدية، هنا وفي الآخرة أيضا؟

- يا ابني في الايمان، ان طرق الرب غير معروفة للبشر.. مشيئته لا اعتراض عليها.

- الم يقل ابنه: "اقرعوا يفتح لكم"، فلماذا يتركني طارقاً على أبوابه كالذليل ولا يفتح لي؟.

ضحك الكاهن.. هزّ راسه وقرر ان يفضّها مع كمال، قال:

-         اسمع يا ابني، الله الذي تحادثه لا يظل ساهراً لأنه قلق على سلامتنا وعلى أحوالنا. هذا الإله لم يكن موجوداً وهو ليس موجوداً اليوم. انا كاهن واقول لك انه حسب ما نملكه من بينات لا يمكن إثبات وجود الرب، ومع ذلك نحن لا ننكر إمكانية انه موجود. ولكننا نكون دجالين اذا توهمنا انه جالس ليراقبنا وينصت لطلباتنا. وهذه الإشكالية الإيمانية يا عزيزي تشبه حكاية سمعتها من مطراننا عن الثقة المطلقة ان الحقيقة المطلقة هي قناعاتنا الايمانية. هذه الثقة تدمر ولا تبني، ونحن ننشد البناء والتقدم لأبناء كنيستنا. ولا يخفي عليك يا ابني ان الكثيرين من أبنائنا المؤمنين يعيشون منغلقين على حقيقتهم النهائية وبالتالي يخرجون أنفسهم من الحياة الى الانعزال داخل بوتقة، ونحن نظن ان هذا يضر بكنيستنا.. ولكي يشرح مطراننا مفهوم الايمان والثقة العمياء بأننا نملك الحقيقة المطلقة روى هذه القصة. قال:

-         كان صديقان يجلسان في مقهى يحتسيان الشاي. على طاولة ليست بعيدة عنهم كان يجلس شخص أقرع الرأس. قال الأول:

-         هل لاحظت الشخص الأقرع على الطاولة في الزاوية الشمالية؟ أجابه صديقه:

-          أجل لفت نظري منذ جلسنا. قال الأول:

-          انا على ثقة مطلقة انه نيكيتا خروتشوف الرئيس السوفياتي السابق. اعترض الثاني:

-          ولكن خروتشوف قد مات وشبع موتا؟ قال الأول:

-          هذه دعاية سوفياتية من يصدقها؟ أجاب الثاني:

-          حقاً قرعته تشبه قرعة خروتشوف، ولكن ليس كل قرعة تخفي تحتها خروتشوف؟ والمثل يقول "يخلق من الشبه أربعين". قال الأول:

-          انه خروتشوف بعينه، وانا مستعد ان أراهنك. رد الثاني:

-         وانا أقبل الرهان 100 دولار مقابل 100 دولار.. اذا تبين انه خروتشوف فانت الرابح؟. قال الأول بحماس:

-          موافق

وقام واقترب من الرجل الأقرع:

-         تحية ايها الرفيق خروتشوف. التفت اليه الأقرع غاضباً:

-          انصرف من أمامي ايها المغفل.

عاد الى طاولة صديقه وكأن شيئاً لم يحدث، جلس، رشف من الشاي وقال بكل هدوء:

-         رأيت كيف صرخ بوجهي؟ الآن لا يمكن ان نعرف ما هي الحقيقة إطلاقاً.

وهذا يا كمال درس يجب ان نعيه. لا يمكن ان نعرف الحقيقة إطلاقاً. ولكنه حلم جميل، وطريق لتربية أخلاقية وإنقاذ الناس من اليأس. واقول لك يا كمال انا متألم من حالك، منذ سنتين وانت تطلب الربح الكبير من الله، وتلومه لأنه لم يستمع لك، وقرعت ولم يفتح لك، هل ساعدت الله ليساعدك؟

- اني أنفذ كل تعاليمه يا ابتي.

- هذا جيد لآخرتك.. اما لربح الياناصيب في هذه الدنيا فيجب ان تساعده..

- انا الانسان البسيط، أساعد الرب؟! كيف يا أبتي أساعده؟ وهل يحتاج الرب الى مساعدة من بشر؟

- بالطبع ساعده ليساعدك.. كيف سيساعدك الله لتفوز بالياناصيب، وانت لا تساعده بشراء ورقة ياناصيب على الأقل..؟!

* - هذا نص معدل في مضمونه أيضا عن نص سابق بعنوان: "اضف الى رجائك ورقة ياناصيب".

نبيل عودة – كاتب، ناقد واعلامي – الناصرة

nabiloudeh@gmail.com