حيرة

أكرم ابراهيم قرأها 361

 تشكل الحديقة المتنفس الوحيد للحي.

اعتاد خلال سنوات أن يذهب مع صديقه إلى هذه الحديقة.

وسطُ الحديقة فسحة دائرية تحيط بها شجيرات صغيرة من تلك التي تسيج بها الحدائق العامة. يحيط بالسور الشجري رصيف دائري توزعت عليه عربات الباعة التي ينبعث منها صياح المغنين وصخبهم إلا واحدة ينبعث منها صوت مطرب. المقاعد زرعت على هذا الرصيف بشكل يجعل الجالس يواجه قلب الحديقة الدائري. خلف المقاعد سور شجري آخر.

اعتادا أن يجلسا قرب المطرب القديم كي يطغى صوته بسبب القرب على الأصوات الأخرى.

كانا يجلسان لساعات يتبادلان همومهما ويتندّران على الجرذان التي كانت تتقافز مستأنسة بين السورين الشجريّين تمر من تحت المقاعد ومن حولها ومن بين أرجل الزائرين.

هو الآن جالس على شاطئ البحر. لا طير يعبر الفضاء الفسيح. يبدو له هذا الفضاء كأساس للوحة تنتظر خطاً أو بقعة لون. طائر واحد كفيل بأن يحول هذا الفضاء إلى مشهد، طائر واحد كفيل بأن يعطي هذا الموج معنى آخر، ولا طائر.

تواشج وجيب قلبه مع اضطراب البحر؛ لقد بدا له أنه يرقب صراعاً أزلياً بين ماردين من جامد بليد ومتحرك نشطٍ، بل بدا له أن هذا البحر يعالج قيوده منذ وجد.

وكعادته لاذ من إحساسه بالقراءة. تبدأ القصة بما يلي: جلس الزوجان على مقعد في الحديقة كلٌ منهما على طرف منه، الزوج منصرف إلى قراءة جريدته والزوجة تتأمل العصافير وهي تتقافز على الأرض وبين الأغصان.

تذكر. هو أيضاً فكر مرة أن يذهب مع زوجته إلى الحديقة لعل زوجته تتفرغ له فتخرجه من حالته. جلسا متقاربين، هي تتحدث حديثاً دنيوياً مدغدغاً وهو يهبط من عليائه.

تذكر أيضاً جرذان الحديقة المستأنسة وفطن لأول مرة أنه خلال كل تلك السنوات التي ارتاد فيها الحديقة لم ينتبه إلى أنه لم ير ولو لمرة واحدة طيراً فيها. أحقاً أنه لم ير؟ هو لا يذكر!. سيتصل الآن بصديقه ليسأله إن كان رأى فيها عصافير أم لا. كلا لن يتصل. سيراقب بنفسه عندما يعود.