أنتم لا تشبهون أمي ولا زوجتي -قصة قصيرة طويلة - 2 من 5

أكرم ابراهيم قرأها 338

أنتم لا تشبهون أمي ولا زوجتي

(قصة قصيرة من خمسة مشاهد سيتم نشرها بالتسلسل. وبعد المشهد الخامس تنشر في ملف كامل – جماليا)

2 من 5

في مدينتي الجديدة تعرفت على جنتلمان جديد. كيفما انطلق هذا الجنتلمان بالحديث فهو سينتهي إلى التبرم من التخلف والمتخلفين. مرة قلت له: نحن أبناء مجتمع واحد إذاً نحن ذوو مستوى حضاري واحد، الفرق هو أن البعض متخلف يدرك تخلفه، وهذا جيد، والبعض متخلف يتوهم أنه امتلك الحضارة كلها. الناس يرغبون بأن يكونوا متحضرين، لكن التحضر يتطلب جداً وللجد كد يمنع من معاودته فيستسهلون التقليد ويأخذون عن المتحضر ما يسهل أخذه، أي المظاهر والقشور، الأسماء والأزياء والمأكولات وما إلى ذلك. لكن فئة من الناس عندنا تجد عوائق تمنعها من الأخذ وفئة أخرى لا تجد عوائق، هذا هو الفرق لا غير. واتخذت بعض المظاهر التي تبدو لنا متناقضة لأخلص إلى أن ما يبدو لنا من اختلاف هو اختلاف شكلي لأن التخلف يعبر عن نفسه بمظاهر مختلفة. فالحضارة ليست في تقليد مشوه للمتحضرين بل في عقل الأمور؛ فأنت لو طرحت أي مشكلة فلن تجد فرقاً في فهمها بين منطقة وأخرى أو بين طائفة وأخرى ولا بين متعلم وغير متعلم. واتخذت من النظرة إلى الفساد والتعامل معه مثالاً. ماذا يبقى للمرء إذا عاش عمره راضياً عن نفسه مطمئناً على وهم التحضر ثم وجد نفسه عارياً تماماً؟! كان وجهه يزداد تجعداً بفعل التشنج وعيناه تزدادان قتاماً وجسده يتلوى أكثر فأكثر كلما تقدمت في تعريته من أوهامه أو في تجريحه، فعادة ما يأخذ كلامي في مثل هذا المقام موقعاً بين العرض المجرد للفكرة وبين تناول شخص المدعي إيحاءً على طريقة إياك أعني، أي دون أن أترك له ممسكاً أو حجة علي تسمح له بسوء التصرف، فأستمر في دفعه حتى يصل إلى حد العتبة ثم أنعطف قليلاً به. ولقد وصلت به إلى العتبة فأصبح وجهه مثل خمسة شرطي السير أيام زمان ـ زمن الخمسة الفانية لا زمن الشرطي الخالد ـ وكمدت عيناه تماماً وأصبحنا على الحافة فوجب الانعطاف. رواية حادثة أو قصة في السياق تسمح بتخفيف الشدة دون وقف الهجوم، أي تبقي الدعيّ في وضع الممتعض المستسلم. وفوق ذلك أنا أشعر أنني بحاجة لرواية قصتي مع الجنتلمان. لذا اتخذت من التعصب مثالاً آخر على التخلف ورويت ما جري لي معه، وختمت بأن المتعصب يرمي بالحقائق والوقائع ليختلق وقائع أخرى يبرر بها نظرته الخاطئة، فمن أين جاء لنا هذا الجنتلمان ب "راحوا عَ إيد الفلسطينيين"؟!. ووجدت أنه من المناسب ربط الكلام عن التعصب بالكلام عن المتخلفين والتخلف ربطاً مباشراً فختمت بالسؤال التالي: إذا كان المتعصب يختلق فما بالك إذا وقع على بعض المظاهر التي تساعده على بناء أوهامه أو إعطاء نظرته الخاطئة بعض الموضوعية؟!. لا شك أنني رويت القصة بتأثر لأنني لم أكن قد شفيت منها بعد. ربما أراد الرجل أن يتملقني فشاركني تأثري كي يوحي لي أنه معي على حال واحدة، وربما أراد أن يشاركني صفة الفهمان المتذمر المتأفف البرم من المتخلفين، وربما خشي عودتي إلى تعريته من أوهامه فقال: الله يعين الفهمان بهالبلد! (أعان الله الفهمان في هذا البلد) قلت: لأ، صحيح انّو (أن) الجنتلمان طيّر لي نافوخي (عقلي)، بس (لكن) هو شقي كمان (أيضاً)، اللي ما بيفهم مو مبسوط (الذي لا يفهم ليس سعيداً)، بعمرك شفت (رأيت) مجنون مبسوط؟! تطلع بعيون (انظر إلى عيون) المجنون بتعرف انو مو مبسوط، كلنا أشقياء بس كل واحد شقاه شكل. أحس الجنتلمان بضرورة تغيير الحديث فأخذ برواية النكت. وبعد عدة نكت ختم على النحو التالي: أبو حسن وأبو إلياس صديقان التقيا بعد فراق دام ربع قرن تزوجا خلاله وأنجبا. التقيا عند أبي إلياس في مدينته وكان مع أبي حسن ابنه حسن. أراد أبو إلياس أن يفخر أمام أبي حسن بما أنجزه خلال هذه المدة فنادى ابنه مايك: يا مايك اعزف عَ الكمان لعمك أبو حسن فعزف مايك، ونادى ابنته سالي: يا سالي شَوفي عمك أبو حسن رسومك، فشوفته رسوما، ونادى أصغر أولاده أنريكو: أنريكو شوفي عمك أبو حسن جلاءك (كشف علاماتك المدرسية) فشوفاه جلاءه وكان كله عشرات. حار أبو حسن بماذا يفتخر أمام صديقه أبي إلياس فما كان منه إلا أن صاح بابنه: ولك حسن، قال حسن: نعم يا بيِّ (أبي)، قال أبو حسن: شوفي عمك أبو إلياس دبرك (قالها بالعامية وتأدبت فنقلتها بالفصحى).

لم يستطع هذا المتحضر رد كلامي عن التخلف والتحضر، وهذا يفرض عليه مراجعة نفسه والتأني في طرح مزاعمه، لكنني وجدته بعد الفاصل القصير الذي شكلته نكته وقد رجع مطمئناً على أوهامه.

       ما لكم علي يمين، أقسم بالله العظيم أنني أعرف أبا حسن وأبناءه حق المعرفة. لأبي حسن في حينا الصغير ما يقرب من عشرين ابناً يمارسون الكتابة وقد عُرف بعضهم بها، وبعضهم يعزف، وبعضهم يرسم وبعضهم يمارس رياضة بدنية راقية، وكلهم يحبون الشطرنج لعباً وفرجة. أما هذا الجنتلمان فلقد عرفت منه نفسه، أنه خلال حياته كلها، أمسك بيده مرة واحدة مجموعة قصصية لكنه لم يقرأها، ولم أعرف عنه أنه يمارس هواية جيدة، لا هواية على الإطلاق سوى هواية يسمح بها وضعه المادي، هي التمتع بالجلوس في المقاصف.

ثم يسألونك: لماذا تحب الصراخ؟! إذا كنت لا أحب الغربة، وليس لي مكان ألجأ إليه في هذا البلد، فكيف لا أحب الصراخ إذا كنت أحتاج مسكّناً فلا أجد غيره؟! أنت يا من تشكو من صراخي، أتريدني أن أدمن أو أضيّع عقلي؟! دعني أصرخ يا أخي!. لكنني لا أشغلكم بقراءة هذه القصة كي أبرر صراخي أو لأبين حاجتي للصراخ، ما شأنكم وهذا الأمر، في النهاية من أنا بالنسبة لكم؟!.

أنتم لا تشبهون أمي ولا زوجتي

1 من 5