أنتم لا تشبهون أمي ولا زوجتي - 4 من 5

أكرم ابراهيم قرأها 620

أنتم لا تشبهون أمي ولا زوجتي

(قصة قصيرة من خمسة مشاهد سيتم نشرها بالتسلسل. وبعد المشهد الخامس تنشر في ملف كامل – جماليا)

أكرم ابراهيم

4 من 5

كثيراً ما يقول لي صديقي أثناء مشوارنا إذا ما رأى امرأة جميلة: ما أجمل النساء!. يقولها بأشكال مختلفة حسب درجة إعجابه. أخر مرة أردفت قوله ب "وهن بعيدات عنا".

صديقي هذا عفيف النفس، ملتزم عائلياً، غير انتهازي مع النساء وذو أخلاق عالية معهن. أنا أيضاً لا يعبر ردي عن موقفي الحقيقي من المرأة. بنظري للمرأة كثير من المزايا التي يفتقدها الرجل؛ هي متوائمة مع فطرتها صادقة مع نفسها ومع الآخرين، غير عدوانية، غير مدعية تتحدث بما تعرفه وتتقنه فقط. كل هذه المزايا تجعلها غير متعصبة، فأنا لم ألتق امرأة متعصبة سوى مرة واحدة في حياتي كلها. الرجل على العكس من ذلك؛ هو عدواني، فاقد لفطرته، مدعٍ يتحدث بكل شيء تحدث العارف دون أن يلم بشيء. كل هذا يجعل الرجل متعصباً، أي جنتلمان كأولئك الذين مر ذكرهم. ربما أمكن رد كل هذه الصفات إلى نزعته العدوانية، فالعدواني إما يهاجم وإما يتخذ وضعاً دفاعياً لأنه يتوهم أنه مستهدف، يتجلى هجومه بالتعصب ويتجلى دفاعه بباقي الصفات على سبيل تأكيد الذات. أكثر ما يتجلى هذا في ولعه بالسياسة؛ كل الرجال على الإطلاق يتحدثون في السياسة والسياسة أحد الأنشطة التي تحتاج إلى ثقافة موسوعية وجهد ومتابعة، لذا نجد أن العصبيات تطل برأسها ما إن نبدأ حديث السياسة. يحدث هذا مع أن من المفترض بحديث السياسة أن يهدف إلى فهم مشكلة بداعي حلها؛ نحاول حل مشكلة فنعزز مشاكل. لذلك أجد نفسي دائما أقول بعد شوط قصير من النقاش: ترحموا معي على شكري القوتلي يا أخوان!. أقولها دون أن أبين المناسبة تاركاً للأقربين الحق الحصري بالفهم.

باختصار، يمكن القول أنني زير نساء بالمعنى اللغوي، أي إنني أحب حديثهن ومجالستهن وأشعر أنهن علاج لما يسببه لي الرجال من توتر. وإذا كان الأمر كذلك فلماذا أكملت تعبير صديقي على هذا النحو الذي يفهم منه أنني عدو للمرأة؟! يعود الأمر إلى زوجتي؛ زوجتي مثل أمي والجنتلمان. ولكي لا يقول أحد ما أني أنهى عن فعل وآتي مثله أقول: صحيح أنني في الجملة التي أردفت بها كلام صديقي استعملت إحدى آليات تفكير المتعصب، أي عممت حالة فردية فجعلت موقفي من زوجتي موقفاً من النساء عامة، هذا صحيح لكنها ردة فعل لفظية أو هي مقاومة اللغة للتعبير وربما أردت بها تهيئة الجو للدخول في حديث يفرّج عني، فأنا أتعامل مع الناس كأفراد مستقلين كل منهم مسؤول عن تصرفه

مهلاً: مرة كتبت قصة فوزع معارفي شخصياتها على فلان وعلان من الناس، ومرة أخرى قال أحد شخوصي بضمير المتكلم أن كرهه للحياة حوّله إلى خصي فأخذت أسئلة النسوة عن وضعي تلاحق زوجتي كيفما اتجهت وأينما حلت، وخرج علي شيخ من النقاد يلوح للحياة تلويح الوداع، خرج عليَّ بشفقة لا تكفي لإنتاجها عدة قلوب رحيمة. أنا الآن لست قلقاً من رواية ما جري لي مع زوجتي، فأخطر ما في الأمر هو أن ينصحوها بأن تكون قوية معي لأن الرجل لا تناسبه إلا المرأة القوية. فليكن، ربما شفتها هذه النصيحة مما هي فيه.

قلت إن زوجتي مثل أمي والجنتلمان. السبب هو أنها ما إن تعرف أن فعلاً ما يستفزني حتى أجدها منقادة إلى تكراره. ولقد تفاقم الأمر حتى شارفنا على الطلاق. صحيح أنه قال: لهذا يترك الرجل أباه وأمه ويتبع زوجته لكن المرء يستطيع أن يكره امرأته ولا يستطيع أن يكره أمه. اعلموا أن زوجتي مثل أمي لا تعود إلى التصرف الذي يستفزني بدافع كرهها لي، بل هي تحبني؛ هذه أمور لا تخفى... أقول لها: أنت ما إن تعرفين أن سلوكاً ما يستفزني حتى أجدك وقد دأبت على تكراره فأجدها حينئذٍ وقد لهوجت الكلام ثم دهشت وذهلت. لقد أدركت بعد مراقبة وتحليل أنها تقع فيما تخاف الوقوع فيه. وهذا دليل حب كبير إذ لا مبرر للخوف مني، فأنا أصرخ في كل مكان عدا البيت، وإذا ما غضبت منها أتحول إلى مرجل صامت متنقل، وأعتبر من يضرب زوجته أحقر الناس، فخوفها ليس مني بل من أن تكون سبباً لاستفزازي. ومع هذا كرهتها ووصلنا إلى حد الطلاق. ذلك أني وإن تفهمت دافعها إلى ارتكاب ما يستفزني فالمرء لا يستطيع أن يحب مصدر توتره الدائم.

لو طلقت لتركت لها البيت مع الأولاد، فهي لا بيت لها تعود إليه لو تم الطلاق، وهم أقرب إليها مني، وهي أكثر حناناً ودفئاً، ودوري كمعيل ونصيح أستطيع القيام به من بعيد. والحال كهذه إن راتبي لا يقبل القسمة، فلو كان لديها بيت والأولاد سيبقون معي لكانت نفقتها ممكنة. إذاً كان الطلاق مشروعاً مؤجلاً إلى أن يحلها الحلال ومن حسن رعايته أنه تأخر.

أثناء كتابة هذه القصة كنت في " ضرب أخماس بأسداس " أو في أخذ ورد مع نفسي. وعندما وصلت إلى النقطة التي أزعم فيها أن الجنتلمانات شيء واحد وإن تعددوا فكأنهم شخص واحد معادل لأمي مع أخذ الفوارق بالحسبان، عندها شعرت بجاذب يشوش عليَّ حالة الكتابة ويبعدني عنها ويدعوني إلى التأمل: لقد مررتُ أثناء الكتابة على ذكر نماذج من الرجال هم تكثيف لحالة عامة، أي إن غالبية الرجال من هذا النوع لكن بدرجات. والرجال عاشوا حياتهم بالطول والعرض، الأمر الذي يُفترض معه أن يتسع أفقهم، والواقع أنهم لم يكسبوا من حياتهم العريضة إلا الابتعاد عن فطرتهم وزيادة قدرتهم على المماحكة خاطئين مدركين لخطئهم. وإذا كنت لا أستطيع العزوف عن صحبة الرجال رغم كل ما تسببه لي من توتر واضطراب فكيف أعزف عن معاشرة زوجتي وهي امرأة لها كل مزايا المرأة، فقط لأنها تقع فيما تخاف الوقوع فيه؟! إنها في هذا أفضل من أمي التي كانت تستفزني لأنها لم تفهم، وإذا كنت لم أعرف رجالاً أسوياء فأين سأجد زوجة كاملة؟! وهل أنا كامل؟!.

تأملت في كلام الداعي وتوصلت إلى نتيجة مفادها أنه يجب عليَّ تغيير خاتمة هذه القصة. غيرتها فكان المقطع الأخير ـ هذا الذي تقرؤونه ـ وكنت قد وضعت له عنواناً مسبقاً هو "ترحموا معي على شكري القوتلي يا أخوان!." فأصبح العنوان "وصفة لحب الزوجة" تمشياً مع تغيير الخاتمة.

ولئن كان لا يجوز في الأدب عرض خلاصة أو شرح فإنني سأخالف القاعدة خوفاً على جهدي من الضياع، فأن يقال عني قاص فاشل خير من أن أهدر فكرة كبيرة وجهد كبير. لذلك أوجز الفكرة فأقول: أنتم يا من تكرهون زوجاتكم أو النساء عامة، قارنوهن بمن تعاشرون من الرجال لتكتشفوا كم أنتم جنتلمان، أي لتكتشفوا أنكم نسخ عنه.

أنتم لا تشبهون أمي ولا زوجتي

1 من 5

2 من 5

3 من 5