أنتم لا تشبهون أمي ولا زوجتي

أكرم ابراهيم قرأها 583

أنتم لا تشبهون أمي ولا زوجتي

(قصة قصيرة من خمسة مشاهد سيتم نشرها بالتسلسل. وبعد المشهد الخامس تنشر في ملف كامل – جماليا)

1 من 5

كنت دائما أقول أن المرحوم شكري القوتلي رجل لا يتكرر، وأرى أن تسمية شارع في مدينة حمص باسمه تبخسه حقه، حتى ولو كان الشارع أهم شارع فيها. لذا اعتقدت دائماً أن التسمية كانت تملقاً للناس الذين لو رجع الأمر لهم لسموا المدينة كلها باسمه. لكنني كنت عند ذكره أقول بيني وبين نفسي إن الكمال لله!. ومبعث هذه الحسرة هو أنه قال لعبد الناصر: سلمتك بلداً فيها أربعة ملايين رئيس. فلقد كنت أشتمّ من هذا القول نفوره من انخراط الناس في السياسة، فلمَ ينفر من سلم السلطة طوعاً لغيره، من لا مطامع له يحققها من السلطة، لمَ ينفر من انخراط الناس في السياسة؟!.

بعد انقطاع طويل دام عشرين سنة أو تزبد التقيت صديقاً جمعتني به السياسة وحب هذا الرجل. أحببناه رغم أننا ولدنا كلانا سنة سلّم الحكم، وكان حبنا له يزداد مع الأيام لسبب أرجو أن تعفوني من التصريح به الآن. كنا نحبه بقدر ما أنكر هو ذاته وآثر مصلحة شعبه، وكنا نمتن له وكأنه آثر مصلحتنا نحن الاثنين بدافع علاقة شخصية بيننا وبينه. إذاً لكم أن تبالغوا في تقدير مدى سعادة شخصين جمعهما مثل هذا الحب باتصالهما من جديد، فلو فعلتم لن ينكر أحد عليكم فعلكم، فهذا هو الشيء الطبيعي. لكنها لا تكتمل مع أحد.

لم يمض وقت طويل لأكتشف أن صديقي هذا قد أصبح مصدر توتر. في كل لقاء يطرح الفكرة ذاتها، لكن في كل مرة يرتفع صراخه أكثر ويزداد أسلوبه استفزازاً. ودون أن أشعر وجدت نفسي وقد فقدت لياقة الحديث الهادئ العقلاني: تكرار الرد على الفكرة ذاتها يجعلك تشعر وكأنك تأكل من لحمك، واستفزازك بتناوله لشخصك بدلاً من فكرتك، وصراخه، كل هذا يجعلك تفقد أعصابك فلا تعود تولي فكرته كل اهتمامك

جدير بالذكر أنني خلال سنتين بعد نيسان عام 2003 كاد عقلي يطق، أو لنقل بتعبير غير عامي أنني كدت أُجن بفعل قوة الشدة العصبية واتصالها، تلك الشدة الناتجة عن سعار النازيين، أولئك الذين زينوا الغزو باسم الديمقراطية. في تلك الفترة تركت انطباعاً عند معارفي صعب علي محوه، هو أنني سهل الاستفزاز مولع بالصراخ لا أجيد الحوار.

بسبب حفلات الصراخ التي كنا نقيمها، أنا وهو، شعرت أني بدأت أفقد رصيدي من الاحترام، فحاولت تدارك الأمر بأن كففت عن الرد عليه. لكنه ـ ويا للعجب ـ كان يبدأ الحديث ويأخذ بالصراخ دون رد معترض مني، فأجد نفسي مضطراً إلى لفت النظر إلى خلوي من المسؤولية عن صراخه. لقد كانت خشيتي كبيرة من أن يحسب كل صراخ علي ما دام لي صيت في هذا. لكن ـ والحق يقال ـ لم أكن دائماً مالكاً لزمام نفسي، فسرعان ما أجدني وقد بدأت معه حفلة الزجل المعهودة. مع الوقت، شيئاً فشيئاّ، تداركت الأمر.

شيء ما كان يجعلني أعود للرد عليه، أو لنقل شيء ما كان يجعلني أجد له العذر فأزعم لنفسي أنني لم أشرح رأيي شرحاً وافياً، وأن فكرتي لم تصل له، وبالتالي يجب علي أن ألوّن ردي بألوان أخرى مع احتفاظي بالفكرة، أي مرونة في الطرح مع صلابة مبدئية، كما يقولون في السياسة. لكنني في كل مرة كنت أجد مرونتي وقد هدرت، وأجدني عازماً على عدم الرد في المرات القادمة. لكن قبل كل مرة أخرى أكون قد زعمت لنفسي أنني لم أشرح رأيي شرحاً وافياً، وأن فكرتي لم تصل، وبالتالي يجب علي أن ألوّن ردي بلون آخر. يمكنكم القول أن "المرونة في الطرح مع الصلابة المبدئية" مبدأ عنيد لا يتزحزح، هو جُبلته من صوان وأنا إنسان جُبلتي من ضعف. لذا دائما كان هذا المبدأ يقودني من قرني بإحكام إلى حلبة الصياح مع صديقي.

لسنوات كان الأمر سجال بيني وبين "المرونة في الطرح مع الصلابة المبدئية". لكن يقال أن المرء يكتسب مع الوقت بعض صفات عدوه، فتبادلنا المواقع تدريجياً، إذ بدأ ميزان القوة بيني وبين هذا المبدأ يميل لصالحي، حتى وجدت نفسي أخيراً راكباً عليه أقوده بإحكام، كأنما استطعت أخيراً أن أروض هذا الحصان البري الشموس بعد أن كان يجرجرني جرجرة. يمكن القول أنني رميت ريشتي وكففت عن تلوين فكرتي أو البحث لها عن أثواب جديدة، هذا إذا لم نقل أن الفكرة ذاتها حردت فما عادت تقبل. وهكذا انكشف صديقي عن أنه سبب الصراخ وتوتير الجو. ذلك لأنه مرة بعد مرة كان يطرح الفكرة ويأخذ بالصراخ دون أي رد مني، أو رغم ردي الهامس غير المستفز.

في أحد المرات طرح الفكرة كعادته، لكن هذه المرة كنا في حضرة رجل مقطّف منضّف. لمن لا يعرف عاميتنا، أو ما جرى مجرى الأمثال من أقوالنا، هذا التعبير يعني أن مظهره معتنى به جداً، جنتلمان حسب فصحاه هو. يجب أن تعترفوا أن رجلاً من هذا النوع، وفوق ذلك يجلس بعظمة، قليل الكلام بما يوحي بالوقار والنضج، أقول إن رجلاً من هذا النوع يرمي هيبته عليك. يبدو لي أن هذا التعبير بحاجة لشرح أيضاً، لذا أدعي دون علم، أن أول من استعمل فعل " رمى " هذا الاستعمال كان صياد سمك فشبه الأمر بما عايشه كثيراً، بشبكة الصيد. أي إن هيبة كهذه تأسرك كالشبكة. إذا نحن أمام رجل يأسر بهيبته، وفي حال كهذه يجب على الحصيف أن يتصرف بحذر، بل بحذر مبالغ فيه.

أنا كما سبق وقلت كنت قد طوعت المبدأ وركبته بعد أن كان يجرجرني. إذاً دون هذه الهيبة ما كنت لأرد على صديقي، فالهيبة تضعك في حالة دفاعية وتدعوك إلى أن تقول بطريقة ما أنك أنت أيضاً لست قليل الشأن. وتزداد حاجتك لتبيان ذلك إذا كنت بسبب إهمالك لمظهرك، ولا مبالاتك، وقلة انتباهك، وقبل كل شيء بسبب فقرك تبدو وكأنك عرجت إلى بيت صديقك وأنت في طريقك من العمل إلى البيت.

المهم أنني أنا أيضاً لست قليل الشأن ويجب أن أبين هذا. لذا تحينت الفرصة لأنطلق بحديث أعرض به رصيدي من العقل والثقافة، وفي نفس الوقت أرد على صديقي الصياح رداً خفياً لا يدركه أحد غيره من الحضور؛ رداً لا يتناول فكرته بل شخصه. وعندما جاءت هذه الفرصة بعد زمن كافٍ لترتيب أفكاري أخذت "وضعاً" وانطلقت بالحديث فقلت:

يا أخوان! إن الرجل الحصيف لا يرد على كل قائل، بل ينظر إن كان هذا القائل معني بالحقيقة أم إنه يتحدث لمجرد الحديث وتقطيع الوقت، أو للظهور بمظهر العارف والمهتم، والأهم عليه أن ينظر إن كان القائل متعصباً. يا أخوان! هذا النوع من الناس، خاصة المتعصب، لا تعنيه الحقائق والوقائع. ولكي أشرح فكرتي سأضرب لكم مثلاً لا يترك مجالاً للشك فيما أقول: نحن كثيراً ما نسمع أحدهم يقول: "الفلسطينيون باعوا أرضهم". طبعاً أنا أنقل قولهم مجرداً عن الزوائد، فعادة ما يكون القول لاحقة لقولهم "هم لا يستحقون الشفقة"، أو يلحقه قولهم "وما عادوا يعرفون كيف يستريحون ويريحون"، أي:" باعوا أرضهم وما عادوا يعرفون كيف يستريحون ويريحون". طبعاً الناس تقول أشياء كثيرة عن الفلسطينيين، كلها غير صحيحة، وغالباً ما تأتي أقوالهم في أوقات حرجة؛ أيام الانتفاض أو المجازر. أثناء الانتفاضة الأولى سمعت شاباً نزح أهله من الجولان، شاباً مقطفاً منضفاً، جنتلمان مثل ما يقولون، سمعته يقول: "الفلسطينيون كل عمرهم لا يحبوننا، قبل عام 48 كان الفلسطيني إذا ما انفرد بأحدنا ذبحه". لا تغركم المظاهر يا أخوان! هناك أناس من هذا النوع. لكن ما يخدم فكرتي هو ادعاء البعض أن الفلسطينيين باعوا أرضهم، فلنتأمل بماذا تعني الحقيقة والوقائع من يقول هذا القول. أولاً يا أخوان! عمليات البيع التي تمت كانت قليلة جداً. وهي بدأت عام 1862، يعني في وقت لم تكن فكرة الوطن القومي اليهودي في فلسطين قد ظهرت، إذ من المعروف أن أول ظهور للفكرة كان في مؤتمر بازل عام 1897. ثانياً يا أخوان! في تلك الفترة كانت التشكيلة الإقطاعية هي السائدة ـ هكذا، استعملت هذا التعبير كي أبدو مثقفاً ـ وفي عهد الإقطاع لا يملك الناس الأرض، بل أفراد قلائل هم الإقطاعيون. والإقطاعي إذا كان يستعبد الناس فلن يهتم بوطنهم، يعني إذا حدث بيع فلا شك أن الذين باعوا هم الإقطاعيون. والأهم يا أخوان! أنه حتى ولو باع بعض الفقراء أراضي فهذا لا يعني بيع الوطن، فبيع قطعة أرض لا يعني بيع فلسطين؛ العرب في المغتربات يشترون أراضي وبيوتاً ومع هذا لا أحد يقول أن من باعهم في أمريكا قد باعهم أمريكا، مثلاً، يعني. ولا تنسوا يا أخوان! أن تلك الأيام كانت أيام جهل، فمن الطبيعي أن غالبية الناس ما كانت تعرف ما يدبر من وراء شراء الأراضي؛ نحن اليوم أصبحنا نقرأ وتعددت وسائل الاتصال وتنوعت ورغم هذا لا نزال لا نعرف ما يدبر لنا. وفيما بعد، حتى لو كان أحد البائعين قد سمع بمؤتمر بازل، أو بوعد بلفور، فهذا لا يعني أنه خائن، لأن الفكرة كانت خيالية، نحن الآن لا نجدها خيالية لأنها تحققت، لكن في حينه ما كان مجنون ليصدق أن وطناً لناس يمكن أن يصبح لآخرين؛ هذا مستحيل التصديق، نعم، الاحتلال شيء مألوف لكن تغيير ملكية بلد!! هذا غير معقول، حتى ولو كانت الملكية ملكية فردية ما كان لأحد أن يصدق أن من الممكن السطو عليها بهذه الوقاحة، يعني يمكن أن يقطع أحد ما الطريق عليك، أن يسرقك في الليل، أما أن يقول لك أمام الملأ هات سيارتك أو بيتك لأنه يعجبني فهذا غير وارد؛ هذه أشياء لا يستطيع أحد اغتصابها لأن بها طابو، على فكرة يا أخوان! كلمة طابو هي تحريف لكلمة تابو، محرم يعني، فكيف يمكن أن يصدق الإنسان تغيير ملكية وطن؟! أصلاً السرقة تكون لأشياء يمكن نقلها، أما الوطن! كيف؟! الوطن لا يمكن نقله ولا يمكن نزعه من الوجدان. في ذلك الوقت لم تسمع الناس بما حدث لسكان أمريكا وأستراليا؛ نحن لولا ما حدث عام 48 لما سمعنا، النكبة هي التي فتحت أعيننا على أحداث مشابهة. ولنفرض أن الفكرة كانت معقولة في حينه وباع أحد ما أرضه، يعني حتى لو كان هناك بعض الخونة، فهذا شيء طبيعي، لأنه لا يوجد شعب إلا وبين أبنائه خونة، يعني لا يجوز أن نرجم شعباً لأن بعض أفراده خانوا بالبيع أو بغيره. وعلى فكرة يا أخوان! الوكالة اليهودية تدعي أنها اشترت أراضي في دمشق وحوران، آ، نسيت، أيضاً لو لم يأخذ المرء بالاعتبار أن الإقطاعي هو الذي باع، يعني حتى لو لم يقبل فكرتي عن الإقطاعي، فهذا لا يغير شيئاً لأن غالبية الإقطاعيين الذين باعوا كانوا سوريين ولبنانيين، في ذلك الوقت لم تكن حدود ولا فرز بين فلسطيني وسوري إلا كما نقول اليوم الجزيرة والساحل. إذاً أنتم ترون يا أخوان! أن البيع لا يدين الفلسطينيين على أية حال، والأرض المباعة قليلة جداً، والأهم أن بيع أرض لا يعني بيع وطن ودولة، وإذا كان الفلسطيني لا يستحق الشفقة لأنه باع فالسوري أيضاً باع. هذه بديهيات، لكن الغريب أن من يقول أن الفلسطينيين باعوا أرضهم ينسى هذه البديهيات، وينسى بديهيات أهم وهي ثورات الفلسطينيين، والحروب، والمجازر الصهيونية التي نتج عنها تهجير الفلسطينيين، خمسون مجزرة يا أخوان، يعني هل يعقل أن كل هؤلاء اللاجئين باعوا وسكنوا الخيام ثم حملوا السلاح، يعني أهل الجولان باعوا الجولان أم شردتهم الحرب؟! أكيد شردتهم الحرب. القضية يا أخوان أن من يقول هذا يشتم من يقاوم بحجة من خان، يعني هو لا يشتم الخائن الذي باع لأنه لم يعد موجوداً بل يشتم من يدمر بيته فوق رأسه اليوم لأنه يقاوم. هذه هي اللعبة يا أخوان، يعني الذي يشتم بحجة الخيانة هو الخائن، لذلك لا جدوى من الرد عليه، أو يجب الرد عليه بما يناسب، أنا عندما قال لي الجنتلمان أن الفلسطينيين كانوا يذبحوننا قبل عام 48 قلت له: يمكن كانوا يذبحون أمثالك. ماذا تتوقعون رده؟! خرس، لم يرد بتاتاً. الخائن جبان يا أخوان.

حتى الآن كنت مندفعاً في الكلام دون أن ألحظ وقع كلامي على الحضور. ذلك أنني كنت أركز نظري على نقطة واحدة حتى لا أفقد تركيزي فيضيع مني تفصيل واحد عن الموضوع؛ فعلى هذه الخطبة سيتقرر إن كنت ذا شأن أم لا. لكن أثناء الكلام التالي، أو ما تبقى من هذه الخطبة العصماء، كنت أركز نظري على صديقي الصياح حتى أترك لديه أكبر قدر من الانطباع أنه هو المقصود، وأنني منذ الآن لن أناقش ما يطرحه من أفكار بل سأحلل شخصه وأفرد نفسه أمامه كي يراها على حقيقتها؛ فعلى ما يبدو كانت فكرة إرهابه بهذا الأسلوب حاضرة في ذهني، إنما لم أكن واعياً لها تماماً. أما ما تبقى من الخطبة فكان على النحو التالي:

أي إنسان يقول إن الفلسطينيين باعوا أرضهم يعرف هذه الحقائق الدامغة أكثر مني. لذلك تقضي الحصافة ألا أعذب نفسي معه وأعيد عليه كل هذا الكلام الذي يعرفه، يعني أريد أن أقول إن المتعصب يرمي الحقائق والوقائع خلف ظهره، يعني هو غير عقلاني ويتصرف بالغريزة؛ هو مثل البخيل الذي يملك ملايين ولا ينفقها، يعني الله أعطاه عقل لكنه لا يستعمله. وأنا أرى أن البخيل الغني أفضل من الذكي المتعصب، لأن البخيل يخلف ثروته لورثته فلا تذهب هدراً وعقل المتعصب يُهدر ولا يورث. وليت الأمر يقف عند هذا الحد فلا يضر المتعصب مجتمعه بعقله الخرب، يعني المتعصب لا يترحّم عليه الناس، لا في حياته ولا في مماته.

كما ذكرت، كنت أثناء الكلام الأخير قد ركزت نظري على صديقي الصياح ليفهم أنني أعنيه، ولأعرف إن كان فهم أنني أعنيه. ولقد ذكرت أيضاً أن الخطبة بالأساس هي رد على صديقي الصياح يراعي الظرف. وعلى كل حال هي خطبة جيدة قد تنبه بعض الحاضرين إلى أمر لم ينتبهوا له. والأهم أن الخطبة العصماء تقدمني إلى المقطّف المنضّف كرجل مثله؛ لست قليل الشأن. لذا ما إن أنهيت كلامي حتى التفت إليه لأرى وقع خطبتي العصماء عليه فقال: بس مو غريب انو أغلب شهداء الجيش السوري بحرب تشرين راحوا عَ إيد الفلسطينيين؟!

إذا قدر لهذه القصة أن تنشر فهذا يعني أنه قد يقرؤها أناس لا يفهمون لهجتنا. لذا وجب أن أترجم قول بطلنا إلى الفصحى كي لا أشوش إحساس بعض القراء فهو يقول: لكن أليس عجيباً أن أغلب شهداء الجيش السوري خلال حرب تشرين قتلوا بيد الفلسطينيين؟!

الفعل "رنا" يعني: أدام النظر مع سكون طرف. ولقد اعتقدت حتى تلك اللحظة أن هذه النظرة تكون مشبعة بالحب أو الأسى والحزن، أي إنها نظرة إلى حبيب أو إلى عزيز مريض، ففي حال الغضب يقال "زَوَر"، أي أدام النظر بمؤخر العين؛ نظرة ثابتة مائلة. لكنني بعد تلك اللحظة اكتشفت أن الرنو قد يحمل كل المشاعر الممكنة، فلقد كانت نظرتي إليه مشبعة بكل المشاعر الممكنة إلا الحب، كانت مشبعة بالأسى والخيبة والكره والتعجب والقرف والحيرة والذهول، كل المشاعر غير المستحبة وفي القلب منها الغضب. لقد وجدت مشاعري وقد فاضت وسالت إلى حد لا تكفي ملايين الأشخاص لحملها.

رنوت إليه ثم خطر في بالي أن يكون أحد الأصدقاء الحضور قد أوحى إليه بهذا الرد بقصد استفزازي. ولمَ لا؟! في مرحلة سعار النازيين، في تلك المرحلة التي شارفت فيها على الجنون، أغرب أحد الأصدقاء في طرحه. وعندما استفزني طرحه قال لي بكل راحة بال: "كنت أستفزك". في المرة الثانية قلت له: " أنت سادي، لولا وجود القانون لكنتَ قاتلاً من الدرجة الممتازة، وأنت إذ تلعب بمثل هذه القضايا تكون عديم الوطنية، وعلى كل حال أنت لست بصديق" وكان بعدها الفراق. الآن، بعد جواب الجنتلمان، تذكرت هذا الشخص وخطر ببالي أن يكون أحدهم قد أوحى إليه بهذا الجواب، فبدأت أنقّل النظر بين الحضور فوجدتهم ـ بما فيهم صديقي الصياح ـ واجمين متحفزين وكأنما يتوقعون عاصفة، لا أثر يدل على أنهم في وارد المزاح. التفت إلى الجنتلمان وقلت له: ولاه انتي في حدا مسلطك عليِّ يعني؟! ("ولاه " كلمة تحقير لا أجد لها ترجمة أما بقية العبارة فتعني: هل وجهك أحد لتصب أذاك عليّ؟! هذا معنى تصرفك) فوجئ الرجل وقال: عدم المؤاخذة، الأخ فلسطيني؟

قلت: لأ، ماني فلسطيني، ولك انتي شو ولاه، ولك انتي منِّين جاي ولاه؟! ("ولك" مثل "ولاه" أما الباقي فترجمته: لا، لست فلسطينياً، أنت ماذا تكون؟! من أين أنت أتٍ؟!)

كنت قد جلست على طرف الكرسي وقد نترت جذعي إلى أعلى في وضع الاستعداد للقيام. وعند هذا الحد قام الجميع إلى وسط الغرفة وبدؤوا بتهدئة الجو فما كان مني إلا أن لملمت أشيائي على عجل وانطلقت خارجاً وأنا أقول: تفو علاك، يلعن أبوك، كلب. (تفٍّ عليك، لعن الله أباك، أنت كلب)

في اليوم التالي باشرت بإجراء معاملة نقلي إلى مدينة أخرى حتى لا ألتقي به مرة ثانية.

انتقلت. وما زلت منذ سنوات كلما التقيت أحد الذين حضروا الواقعة أو اتصلت به أسأله إن كان أحد أوحى للجنتلمان برده ذاك، وحتى الآن لم أحظ إلا بجواب واحد هو قسم بالشرف أن لا أحد أوحى له. وهم صادقون لأننا ثلة يغتاب كل واحد منها الآخرين.

يتبع