ثلاث بديهيّات في الأدب

أكرم ابراهيم قرأها 682

بديهية أولى

قارئ الأدب ليس معنياً بالبصبصة على حياة الأفراد؛ هناك مجلاّت تهتم بخصوصيات الأفراد، المشاهير منهم فقط، لكن قراءها ليسوا قراء أدب، وهي غير مهتمة بالأدب؛ إنّ جلّ اهتمامها هو تلبية حاجة قارئ معين، هو غير مثقف حتماً.

كذلك كاتب الأدب غير معني بفرد ما مهما علا أو سفل شأنه. ذلك لأن أي فرد غير شهير معروفٌ في وسطه فقط والأدب لا يكتب لوسط محدد أو ضّيق؛ هو معني بحالة عامة أو بظاهرة. هذا شيء طبيعي أو بديهي، لأن الكاتب إذ يكتب فهو يكتب لجمهور غير محدد من القراء؛ لقراء لا يعرفهم ولا يعرفونه، والأحرى أنهم لا يعرفون ذلك الفرد المحدد أو المعين.

الأدب الذي يكتبه السوري مثلاً ليس بأدب ما لم يجد من يستسيغه في كل أنحاء الوطن العربي. وعلى فرض أن أحدهم انشغل بشخص محدد فمن المؤكد أن ما يكتبه هو ثرثرة عجائز على التنور  ولا يمكن أن يلقى القبول من وسائل النشر لأنها لم توجد للوتوتة.

يفترض أن هذه بديهيات لكن الأمر ليس كذلك عندما تسود الأمية الثقافية، فقد يحدث أن يجد امرؤ شبهاً بينه وبين شخصية في قصة فيعتقد أن لا هم لدى الكاتب سوى الانشغال بشخصه الكريم. لكن الكتابة عملية شاقة، ومن يشقى باهتمامه بأمور شخص لا يستطيع أن يشقى في الكتابة الأدبية، لأن لكل مجال رجاله.

والشبه الذي يجده القارئ بينه وبين الشخصية القصصية قد يكون نتيجة قول قاله أو تصرف صدر عنه. لكن الكاتب لا يعنى بالقول مهما كان، أو ليس كل قول يصلح لأن يحرض على الكتابة الأدبية أو الفكرية، ما يحرض على الكتابة هو قول أو تصرف يعبّر عن حالة عامة أو شائعة. لنأخذ على سبيل المثال عبارة " الفلسطينيون باعوا أرضهم "، فأنا ما زلت أسمعها منذ سكنت المدينة، أي منذ ما يزيد عن ثلاثين سنة، فإذا ما استعملت هذه العبارة كما حدث في قصتي " أنتم لا تشبهون أمي ولا زوجتي " فأي القائلين أعني وقد سمعتها من عشرات؟! كذلك عبارة "المجتمع الدولي"، إنها تتردّد اليوم في أدبيات عدد كبير من الأحزاب، وبالتالي يكررها الكثير من الأشخاص، فإذا ما استعملتها في قصة وكان أحدهم قد قالها لا يعني أني مهموم بهذا القائل المحدد. إن أقصى ما يمكن أن يخلص به هذا القائل هو رأي الكاتب به وبأمثاله، أو رأي الكاتب بقوله ورأيه، لكن ليس من خلال الحديث عنه مباشرة. ويبقى الأمر صحيحاُ في حال استعمل الكاتب واقعة جرت مع شخص ما، فقد يحدث أن ينسج الكاتب واقعة حدثت له أو لغيره في قصة، لكن حتى في هذه الحال لا يجوز التعامل معها كواقعة بل كخيال، لأن الواقعة وإن كانت حدثت فالكاتب لا يأخذها دون تعديل، والأهم أنه لا يأخذها لأنه معني بشخص من وقعت له، بل كي يوظفها في القصة، فهي في نسيج القصة تختلف عنها كما وقعت.

كل ما استعملته في تلك القصة من أقوال شائع شيوعاً يستحيل معه أن ننسب هذه الأقوال إلى أفراد محددين. وإذا أردنا أن نأخذ قصة لغيري كمثال، نجد الصديق الحبيب حبيب حبيب قد تحدث في إحدى قصصه الجيدة عن صياد، لكن القارئ لا يفكر ولو للحظة أنه معني بهذا الصياد، ولا يسأل: من هو هذا الصياد يا ترى؟ لأن القارئ الجيد لا يهمه إن كان هذا الصياد قد وجد أم لا، فهو يقرأ لا ليبصبص بل ليملأ وقته بالمتعة المفيدة. وعلى العموم إن أدباً لا تشبه شخوصه الناس الواقعيين ليس بأدب، لكن ما يميز الأدب عن المجالات الأخرى هو كيف نقول لا ما نقول.

البديهة الثانية

       إنّ كاتب الأدب يكتب أدباً، فإذا ما كتب بضمير المتكلم فهذا لا يعني أنه يتحدث عن نفسه أو أنه يكتب مذكرات، فهو لا يكتب لمعارفه بل لكل من يقرأ لغته، فبأي شيء يهم الكاتبُ هؤلاء القراءَ ما لم يكن ذا شهرة واسعة جداً وتجربته موضع اهتمام؟! لكن عندها يكون واضحاً أنه يكتب سيرة ذاتية لا قصة أو رواية. لقد تحدثت في القصة السابق ذكرها عن أمي وزوجتي فبماذا يعني هذا قارئاً عرفني أم لم يعرفني؟! ولماذا أصلاً يجب أن أعرض حياتي الخاصة على الناس؟! ولماذا يجب أن يهتم الناس بحياتي الخاصة؟! ثم هل يعقل أن رجلاً لا يكتب لنفسه بل في وسيلة نشر، ثم يقول عن أمه أنها متخلفة وعن زوجته أنها مريضة نفسياً وهو يقصد أمه وزوجته فيعرض عائلته للخطر، فقط ليرضي فضول قارئ قد لا يكنّ له المودة؟! ما دمت قدّمت مادتي كقصة يجب أن تقرأ كقصة وليس كحقائق؛ لقد احتجت أثناء كتابة تلك القصة لكائنين يحبانني أعلى درجات الحب ـ وليس هناك من يحبني كأمي وزوجتي ـ وجعلتهما على ما جعلتهما عليه كي أستعين بذلك على صياغة فكرة ومفهوم. لكن القارئ عديم الثقافة يصر على أخذ ما قلت على أنه حقائق ـ أو يصر أن يبحث عن الحقيقي فيما كتبته ـ وكأني متشوق لإطلاعه على حقائق تخصني، فهو ينسى أني لا أكتب له وحده بل لقارئ العربية على العموم. لقد تحدث كثير من قصصي عن الزوجة بضمير المتكلم، وفي كل قصة كان الحديت عنها بشكل مختلف، فأي منها هي زوجتي في الحقيقة؟! بالتأكيد زوجتي ليست أي واحدة من زوجات الشخصيات المتحدثة بصمير المتكلم في قصصي، ولم أكن أياً من الشخصيات القصصية التي تحدثت يضمير المتكلم. 

القارئ الذي يعرف قليلاً عني يدرك أن ما ذكرته ليس بحقائق، ومع ذلك وجدت بعض من عرفني يكذب معرفته بي ويصدق القصة. ومع أن البعض أدرك أنني أكتب قصة ولم يأخذ ما رويته عن أمي وزوجتي كحقائق، أو رغم إدراكه أن الكلام هو كلام بطل القصة، بقي يلومني على هذا الأمر لأنه حسب زعمه لا يجوز الحديث عن الزوجة والأم. وهنا يحضر السؤال: لماذا؟ إن أدبنا يتحدث عن الحبيبة والصديقة والمرأة العابرة في حياتنا عبوراً سريعاً وعن البغي، ويفصل الكلام حول هذه العلاقة، وقد يستغرق الحديث عنها رواية كاملة، لكن تبقى الزوجة والأم والأخت الغائبات دائماً، فكأن هذه العلاقات غير موجودة. وأنا لا أجد من تفسير سوى أن أدبنا ذكوري. والذكر يتحرج من الحديث عن هذه العلاقات، خاصة عن العلاقة الزوجية. والدليل على ذلك هو أن الكاتبات لا يتحرجن من الحديث عن العلاقة الزوجية أو عن الأزواج.

البديهية الثالثة

       إنّ ما تقوله شخصية في القصة لا يعبّر عن الكاتب بالضرورة؛ ما يعبّر عن الكاتب هو القصة كلها. لذا لا يجوز التعامل مع القصة بالمفرّق بل من خلال نظرة شاملة، أي مع القصة كلها دفعة واحدة، فقد تكثر شخصية قصصية الحديث عن الديمقراطية مثلاً ويكون مغزى القصة هو الدعوة إلى الاستبداد.

هذه بديهيات، لكنني أجد البعض وقد استعصى عليه فهمها رغم الكثير من الشرح، لا لنقص في الذكاء بل لأسباب تحدثت عنها "أنتم لا تشبهون أمي ولا زوجتي". لذا أرجو اعتبار هذه القصة متمّماً لهذه المقالة.


Akram270@gmail.com