أنتم لا تشبهون أمي ولا زوجتي - قصة قصيرة - 5 من 5

أكرم ابراهيم قرأها 431

أنتم لا تشبهون أمي ولا زوجتي

(قصة قصيرة من خمسة مشاهد سيتم نشرها بالتسلسل. وبعد المشهد الخامس تنشر في ملف كامل – جماليا)

أكرم ابراهيم

5 من 5

منذ ما يزيد عن ربع قرن قرأت قصة لكاتب أسترالي ما تزال ملتصقة بذاكرتي حتى الآن. تتحدث القصة عن حمار مربوط على مدخل خيمة سرك. والأستراليون لطاف مع الحيوانات، خاصة تلك، غير المألوفة لهم جيداً. لذا كان الداخلون يمسحون ويربتون على ظهر الحمار. في البداية كان الحمار سعيداً بهذا اللطف، ومع كثرة التكرار وصل إلى الإشباع العاطفي فمل، ثم بدأ يتجنب الملاطفة ما استطاع إلى الحركة سبيلاً، وأخيراً انتهى إلى أن يرفس مثل عجل مركوب كلما رأى يداً تمتد لتمسح على ظهره.

نادراً ما تلتصق قصة بذاكرتي كل هذه المدة. ربما تكون قصة تشيخوف المعنونة ب "فرحة" هي القصة الوحيدة التي نافست قصة الكاتب الأسترالي هذه، فلا شك أن هاتين القصتين تستجيبان لحالتي النفسية، وربما ليس من الصدف أن لهاتين القصتين علاقة بهذه القصة التي بين أيديكم، فأنا لا يصدمني شيء في الناس سوى أمرين؛ خوائهم وما ينتجه من تمسك بالقشور أو تعصب وادعاء فارغ، وإلحاحهم علي بأمر ما، يستفزني الإلحاح والتكرار لدرجة أنني أخشى السؤال عن الصحة في بداية كل لقاء، خاصة بعد مرض ألم بي. لنقل أنني أعتبر تلك الأسئلة الروتينية في بداية اللقاءات ضريبة كبيرة أدفعها ثمناً لتواصلي مع الناس. التكرار شيء خطير، حتى يقال أن أحد أساليب التعذيب التي كان لها صيت في فترة ما، هي أن يترك السجين لفترة طويلة في وضع لا يستطيع تجنب الماء وهو ينزل على رأسه نقطةً نقطةً. هذه النقط مع مرور الوقت تؤثر في الصخر الأصم فما بالكم بالعصب الحساس؟! تستطيعون تصور المعاناة جراء ذلك إذا أرقكم صوت الماء وهو ينقط من الصنبور ثم أضفتم أن هذه النقط تسقط على رأسكم.

الآن، بعد هذا التمهيد، ستتفهمون، وربما تتعاطفون معي، إذا ما قلت لكم أنني طلقت خلال شهر من تغيير الخاتمة ـ أو ما كان خاتمة ـ استجابة لدعوة ذلك الداعي الذي يعمل عند جميع الناس محامي دفاع لكنه يصر معي على أن يكون مدعياً وقاضياً.

طلقت، فأن أسمى جنتلمان أفضل ألف مرة من أن أعيش حياتي توتراً متصلاً. صحيح أن زوجتي ترتكب تلك الأفعال كالمأخوذة، وهي نفسها تنزعج من فعلها وما يسببه لي من توتر، ولكن ما ذنبي أنا؟! ألف أم تبكي ولا تبكي أمي. المسألة بهذا الحجم، لا أكثر ولا أقل من هذا، فطلاقي منها لا يجعلها بمستوى صديقي الصياح الذي يكرر فكرته في كل لقاء بنفس الصيغة حرفياً، أو بمستوى جنتلمان "راحوا على يد الفلسطينيين"، أو جنتلمان "ولك حسن شوفي دبرك لعمك أبو إلياس"... إلخ، أي إن طلاقي منها لا يسلبها أي ميزة من مزايا المرأة الكثيرة. بتعبير آخر طلقتها دون أن أفقد ميزتي كزير نساء، فليتزوجها من يلومني بعد كل هذا الشرح. هذا سهل عليكم فأنتم تلتصقون بأخطائكم عن عدوانية وتعصب بينما تلتصق بخطئها عن حب.

لقد طلقتها وتركت عنوان القصة على حاله، "وصفة لحب الزوجة". وكذلك تركت الخلاصة. وليس في هذا أي تناقض أو لا يبطل وصفتي ولا الخلاصة، فأنتم لستم مثلي؛ أنا لست جنتلمان، أنا زوجتي لم تسجل علي ملاحظة واحدة ولزوجاتكم كثير من الملاحظات عليكم، بل نسبة ملاحظاتكم على زوجاتكم إلى ملاحظات زوجاتكم عليكم كنسبة القشة إلى السماك. وإني لأعجب كيف أن زوجاتكم لا تطلقنكم يا جنتلمان... مرة قلت لأحدكم: عدد الضحايا في العراق وصل حتى الآن إلى مليون ونصف عدا المعاقين والمشردين فقال: لكل شيء ثمن، فقالت زوجته: شو هالحكي؟! هلَّق انتي بتقبل انو يكون واحد من اولادك أو أهلك من هالضحايا؟! فقال: اسكتي يا مرة! انتي شو بيفهّمك بالسياسة؟! قالت: أنا ما بفهم بالسياسة وما بدي (أريد) افهم، بس أنا ما لي قلب؟! ماني إنسانة؟! قال: قلتلك اسكتي يا مرة!. فسكتت؛ يا حسرتي عليهن ما أقسى ما يجبرهن على البقاء معكم؟!

قلت أني طلقت زوجتي وتركت العنوان على حاله دون أن يكون في الأمر أي تناقض. هذا صحيح فقط من زاوية النظر إلى سلوكي مع زوجتي، لكن هناك تناقض كبير من زاوية النظر إلى وجهة الخطاب في القصة، فالوصفة تكون لمن يبحث عن علاج والقصة تتحدث عن الجنتلمان الراضي بمرضه، فهو سيقول بعد كل هذا الجهد قولة تشبه "راحوا عَ إيد الفلسطينيين" أو نكتة الجنتلمان المتحضر عن أبي حسن. أنا لا أستطيع تخيل إجابتكم. ذلك لأنها تفوق الخيال أحياناً، فمن كان يتوقع "راحوا عَ إيد الفلسطينيين"؟! حتى بعضكم قال عندما رويتها له: يه، منّان جابا؟! (يه: تعبير عن المفاجأة، منّان جابا: من أين جاء بها). ومن يكون هذا المفاجأ باعتقادكم؟! هم كثر، أحدهم يستغرب أن يرغب العرب السوريون في الجولان بالعودة إلى الوطن الأم، يعني انتظر منهم أن ينقلبوا على شعبهم لأن السلطة لا تروق له، وآخر نازي ديمقراطي يريد نشر الديمقراطية بجيش من المرتزقة وبالفوسفور الأبيض، حتى هؤلاء قالوا "يه!" عندما سمعوها، وربما قال صاحبها "يه" لو سمع آراء من قالوا "يه" عند سماعهم جوابه، والكل لا يدري أنه نسخة عن الآخر؛ بعضهم يختلق وبعضهم يحذف، بعضهم يكرر كل حياته ما اختلقه وبعضهم يتناسى ما أكدته الوقائع كل حياته، وجميعهم مغرم بالديمقراطية والحداثة، أصلاً من قال "يه، منّان جابا؟!" ليس متأكداً إن كان المستوطنون قد هجروا الشعب الفلسطيني أم لا. ماذا إذاً، هل أعود إلى العنوان الأصلي، "ترحموا معي على شكري القوتلي يا أخوان"؟!. لو فعلت لقلتم أنني نازي، لكنني لن أرعوي لهذا السبب، لأن النازي أفضل بما لا يقاس من النازي ـ الديمقراطي فأنا لا أخجل منه بهذه الصفة؛ أنا سأعزف عن ذلك العنوان لأنني أحترم إرادة الديمقراطي ـ الديمقراطي... بدلاً منه سأختار عنواناً يقول أنكم لا تشبهون أمي العجوز المتخلفة ولا زوجني المريضة نفسياً. حقاً، تأملوا في حالكم وحالهما، أنتم لا تشبهونهما، هما تحبان ضحيتهما وأنتم أدخلتم كل زناة الليل على ضحيتكم ثم سحبتم كل خناجركم وطلبتم أن ترضى وتسكت.

 حاشاكما يا أمي وزوجتي أن تكونا مثلهم، وعذركما لأني وضعتكما في مثل هذا الوضع، لكنها القصة يجب أن تروى.

أنتم لا تشبهون أمي ولا زوجتي

1 من 5

2 من 5

3 من 5

4 من 5