أنتم لا تشبهون أمي ولا زوجتي - 3 من 5
(قصة قصيرة من خمسة مشاهد سيتم نشرها بالتسلسل. وبعد المشهد الخامس تنشر في ملف كامل – جماليا)
3 من 5
يقال أن الضربة التي لا تكسر الظهر تقويه.
لقد ابتليت منذ بداية مراهقتي بعادة سيئة هي عصر حب الشباب في وجهي. ليت الأمر يقتصر على أنها سيئة؛ كلما فكرت أو انفعلت أو نشط خيالي مددت يدي وبدأت العصر، وكلما رأتني والدتي على هذه الحال نبهتني وشوشت لي ما أنا فيه، فتصوروا أنكم تتلقون هذه النكزة في الخاصرة عشر مرات في البوم!! شيئاً فشيئاً أصبح هذا التنبيه أهم سبب لهذه العادة بسبب ما تسببه لي من انفعال دائم. أستغفر الله! هل يستطيع المرء أن يكره أمه؟! لكن ما هو الشعور عندما يرى المرء في أمه تجسيداً للتخلف أو سبباً لتوتره الدائم؟!. استمرت تنبهني ما يزيد عن عشرين سنة، وفي كل يوم أقول لها عشر مرات إن هذه الحركة لا إرادية، وتنبيهك لي لا ينفع بل يزيد المشكلة لأنه يسبب لي الانفعال، يا ناس! عشر مرات في اليوم لمدة عشرين عاماً! والمرء لا يستطيع أن يكره أمه، ولا أن يزعجها، ولا أن يُفهمها، فماذا يبقى له غير الجنون أو الفالج؟! في إثر إحدى المرات أصبت بتشنج عصبي كاد يتحول إلى فالج. لكنني شعرت رغم هذا بشيء من الراحة إذ اعتقدت أن أمي ستتدارك الأمر منذ الآن، لكن تبين لي في اليوم التالي أنها لم تدرك خطورة تصرفها. وفجأة برقت في ذهني فكرة أنقذتني وغيرت مجرى حياتي: أمي تحبني ولا تريد لي أن أصاب بالفالج ومع هذا أعادت فعلها، فإذا كنت أرى فيها تجسيداً للتخلف لأنها لم تفهم خلال عشرين سنة، فأنا أيضاً تجسيد للغباء لأنني لم أفهم خلال كل هذه المدة أنها لن تفهم، حقاً إن الغبي يشقى، فلو فهمت باكراً لاختلفت حياتي جذرياً.
لقد كان إلحاح أمي ضربة لم تكسر ظهري؛ نجوت من الجنون أو الفالج وكان هذا مدخلاً لمراجعة نفسي وفهمها. شيء شبيه بهذا حدث إثر "راحوا عَ إيد الفلسطينيين"؛ نجوت منها فأصبحت أكثر حصانة ضد أمثالها؛ يمكن القول أن الأمر يشبه عملية اللقاح، فاللقاح ضد المرض هو أخذ جرعة غير ممرضة من مسببه. لذلك كانت نكتة الجنتلمان الجديد أقل وقعاً، فلولا هذه المناعة لوجب علي العيش متنقلاً مثل النور، فلقد أدركت الشبه بين قصتي مع أمي وقصصي مع الجنتلمانات، فهي نفسها مع فارق أن أمي واحدة والجنتلمانات نسخ متكررة عن شيء واحد، أمي تكرر نفس الخطأ لوقت طويل ولا تفهم حقيقة بسيطة وكذلك هذا الشيء. بقليل من التأمل نجد أن "راحوا عَ إيد الفلسطينيين" بعد كل تلك الخطبة هي نفس نكتة الجنتلمان المتحضر بعد سماعه لرأيي في "تحضره" ولقصتي مع الأول، فكأن الأول اندغم في الثاني ولو أني أعدت الحديث معه عشر مرات في اليوم لمدة عشرين سنة لما تزحزح، بل أكثر؛ أمي المرأة العجوز المتخلفة تتصرف عن قناعة تامة وعجز عن الفهم وهو الرجل الشاب المتعلم يعرف أنه على خطأ؛ لا شك في أنه يعرف لأنه يختلق الوقائع البديلة ويمتعض ويتلوى من تعريتي له دون أي محاولة لرد الهجوم.
أنتم لا تشبهون أمي ولا زوجتي
1 من 5