أهواء متقلبة

د. روفائيل بشارة قرأها 558

ذات يوم، وعلى غير ما كان يتوقع، راحت بكثير من الحرية والمتعة تؤنّبه، وتلقّنه الدروس في السلوك والأدب، وتقول له كلاماً موجعاً وخطيراً، كأنها أرادت أن تنتقم منه لأسباب دفينة.

في الصباح التالي جلس يرتشف قهوته، ويقلّب أوراق ذاكرته باحثاً عن الأسباب. فاكتشف أنها أساءت فهمه. تناول سماعة الهاتف، وراح يجهد نفسه في الكلام محاولاً أن يشرح لها عمّا كان يرمي اليه. وكم كان بحاجة الى التعقّل والحكمة والصبر كي يُظهر لها الحقيقة. لكنها ظلت على عنادها غير مقتنعة. فوضع الهاتف جانباً، وأخذ يكتب لها:

عزيزتي:     

بعد كل الذي حدث، أعود إلى تفاصيل قصتنا بكل منعطفاتها، لأبحث فيها عنك، فلا أجد سوى جسدٍ شارد غريب يجلس في غير مقعده، فأشعر أنني أتعرف عليه لأول مرة. ويؤسفني أن أقول لك أنني أشعر بكآبة مريرة، وأنا أراك فجأة بملامح امرأة أخرى. والأكثر إيلاماً أنك رحت توجهين لي النقد والملامة من أجل أشياء عادية... أكاذيب وقصص لم تحدث. فهل من المعقول أن تشكل أمور كهذه، حرباً بيني وبينك، وهل أستحقّ منك بسببها كلَ هذا العتاب؟.

هذا وإنني أصاب بالذهول كلما خطر لي قولك؛ إنني أتطاول عليكِ وأتّهمكِ اتهامات باطلة. فأنا يا سيدتي ليس من طباعي أن أتطاول أو أتّهم أحداً. ولم يخطر ببالي قطّ أن أشكَّ بك أو أمسَّ بقيمك أو أتعرض لشرفك، وأنت التي كنت دائماً حبيبة عمري. فلماذا أتَّهمكِ اتهاماتٍ باطلة وكان بيننا كلّ تلك العواطف، وكلّ ذلك الحب. إنَ هذا ليس من شيمي. فإن كنت تتصوّرين غير هذا فأنت مخطئة جدَاً، ولا يسعني حيال ذلك إلاَ أن أشعر بالأسى والأسف.

وتلك الكلمات التي فجّرت مرّة غضبك، وكانت سبب قطيعة طال أمدُها أياماً حسبتها شهوراً؛ لم تكن إلاَ لتبيّن إعجابي وانبهاري بك. فأنت بنظري امرأة شهيَة، مغرية، مدهشة، ساحرة. فهل في هذا ما يدعو إلى الغضب؟ وهل يصحُ أن تكون كلمات كهذه سبباً لتلك القطيعة؟.

حين قلت لك تلك الكلمات أعجبتني ردّة الفعل الهادئة التي صدرت عنك. وأبهرني كلامك الذي كان يدلُّ على شخصيَّة عاقلة عصريَة منفتحة، تفهم مشاعر الرجل على حقيقتها، وقادرة على إظهار مشاعرها له دونما تردد أو حياء. وكم يؤسفني أنك أطحتِ اليوم بكل هذه القيم، وظهرتِ لي امرأة ماتزال تحمل عادات بالية، سخيفة، متوارثة من عصور الجهل. والأنكى من ذلك؛ أنك أردت أن تلقنينني دروسا في الثقافة واللياقة والأدب، حتى خلت أنني جاهلٌ لا أفقه معنى الحياة. فهل يمكن أن يكون إعجابي بك سبباً لكلِ ذلك الكلام الموجع؟!.

أم أنك أردت التخلُّص مني لأسباب دفينة؟ كان يمكنك أن تفعلي ذلك بطريقة مباشرة وسهلة. لكنّك في الحقيقة امرأة أقلّ ما يقال عنها، أنها لا تقيم معنىً للحب.

والآن بعد كل الذي لم يحدث، تجَمعت في الحلق ألفُ غصَّة. تسلّل اليأس إلى نفسي. كلُّ آمالي الجميلة أمست سراباً. كلّ القصور التي بنيتُها تحوّلت الى أطلال. ماتت الورود وأزهار البنفسج في حقولي.

والجرح لا.. لم.. ولن يلتئم أبداً.

في الختام أشكرك على تلك الأيام الرائعة التي جمعتني بك في دمشق، والساعات الخوالي التي قضيناها معا في شوارعها ومقاهيها وأزقتها الضيقة. فتلك الكلمات الجميلة التي قلتِها لي أثناءها، والعواطف الرقيقة التي غمرتني بها طوال تلك الفترة؛ وحدها ستبقى غذاءً لروحي أبد الدهر.

 *******

وهكذا أصبح بعدها يملك حجة السفر إلى بلاد بعيدة....

في بعده عنها، كان كل يوم يجلس في المقعد المقابل لغيابها، يواصل الحديث معها. كانت المسافات تزيد من حبه لها. شيء ما كان يجرفه اليها... صوتها الدافىء الكسول يعيد الى ذهنه شريط الأحلام... يختزل المسافات، ويبقى كل شيء كما كان قبل فراقهما.

وذات يوم حدث الذي لم يكن يتوقعه. فعلى الطرف الآخر من هاتفه كانت تسأله "كيف حالك؟".

من أين جاءته كل تلك المتعة... كل ذلك الفرح... هذا الجمال المطلق...

سألها إن كانت ما تزال على العهد، أجابت: "لم أعد أطيق الحياة بدونك".

dr.bishara@hotmail.com