جريمة
إنها الثالثة بعض منتصف الليل. لم أستطع النوم فآثرت النهوض، لأدرس من جهة، ولأقضي على أرقي من جهة أخرى. وقتها سمعت صوت ارتطام شيء ما بالأرض، ثم بدأ صوت مواء يخرج من مِنْوَر البناء في الأسفل. كان صوت قطة صغيرة. لم أهتم كثيراً بأمرها قبل أن أتذكر شيئاً مرعباً، هو أن جيراننا قد سافروا البارحة إلى القرية، وبالتالي ستبقى هذه القطة حبيسة لعدة أيام أخرى. ولكن كيف وقعت؟!، لا بد أنها وقعت عن الحافة أثناء عبورها الجدار الفاصل بين مِنْوَر بنايتنا و مِنْوَر البناء المجاور.
ـ تباً للقدر؛ ففي لحظة تنعمين بالحرية وفي اللحظة التالية تقعين في الأسر.
نظرت من النافذة علّني أستطع رؤيتها.. لكن الظلام حال دون ذلك، ولم أستطع سماع صوت إلا صوت القطة المذعورة نابعاً من وحشة الظلام في الأسفل.
قلت بقلق: قد تموت.. لا تستطيع الانتظار أياماً دون ماء أو طعام، وربما تكون مصابة بسبب تلك الوقعة فالجدار عال.. تبّاً للحيوانات وغبائها.
كان صوت موائها يشتد مع الوقت حتى إنها منعتني من النوم. كنت أفقد أعصابي مع مرور الوقت حتى وصلت بي حالتي إلى التفكير بالصراخ بها علها تسكت. ولكنها بقيت على ذات الحال حتى الصباح ولم أستطع نيل إلا قسط قليل من النوم، وبالتالي اضطررت للتغيب عن المدرسة.
السافلة، فأساتذتي لن يرأفوا بي وسيشبعونني لوماً على غيابي وربما يستدعون والدي للتأكد من سبب الغياب. كنت ناقماً عليها، وهي مدينة لي الآن. نهضت ونظرت إليها. كانت تقبع في الزاوية بخنوع، فشعرت بالشفقة عليها إذ لا يوجد أي منفذ للخروج، والتسلق صعب نظراً لعلو الجدار وملاسته.
وعند الظهيرة بدأت من جديد، ولكن هذه المرة كانت قطة أخرى على سطح البناء تحاورها، لا بد أنها أمها. مشهد مؤثر حقاً، فالقطة الصغيرة في الأسفل كانت تلف وتدور بين الجدران الأربعة وهي تصدر مواءها المثير للشفقة، والقطة الأم تختفي تارة ثم تعود تارة أخرى لتبدأ حوارها من جديد. كنت أحب القطط، ولكن بعد كل ما حصل شعرت أنها أكثر المخلوقات إزعاجاً على الإطلاق، حتى إني فكرت أن أصعد وأطارد تلك الأم اللعينة.
ـ ماذا ستقدمين أكثر مما أقدمه لها أيتها اللعينة ؟.. هيا اغربي من هنا...
وفي وقتها سمعت ضحكات بنات الجيران الهامسة علي أنا الأحمق الذي يكلم القطط، فأخفيت رأسي خجلاً وأنا أشتم وألعن.
وفعلاً!! فقد اعتدت أن أقدّم لها بين فترة وأخرى بعض قطع الخبز المبلل بالماء لتكفي حاجتها من الماء والطعام ريثما يعود جيراننا فتخرج.
وفي آخر مرة رأيتها قبل غروب الشمس كانت مستلقية قرب حوض الأزهار، يبدو عليها التعب، فمواؤها قل كثيراً عن ذي قبل.
ـ أحسنت يا عزيزتي وفّري قواك لتستطيعي مقاومة الموت في النهاية. ورميت لها بعض قطع الخبز المبلل.
ثم غابت الشمس ولم أعد أرى أي شيء في قعر الظلمة.
لم تكن القطة مزعجة هذه الليلة فغفوت بسرعة لأختنق بكابوس رأيت نفسي فيه واحداً من شعب محاصر. وفي الصباح كانت القطة في ذات الموضع وعلى ذات الحال.
ارتديت ثيابي وذهبت إلى المدرسة، وفي طريق العودة استوقفتني عند حاوية القمامة قطة مقتولة تشبهها، فركضت إلى البيت، فتحت الباب ورميت الحقيبة على إحدى الأرائك بإهمال واقتحمت غرفتي ونظرت إلى المنور، وهنا جاءني الخبر اليقين؛ لقد قتلت. ولكن لماذا؟ لماذا قتلوها؟، سالت بضع دمعات على خدي والقهر يتلظى في قلبي.
وفي تلك اللحظة دخلت أمي الغرفة قائلةً: "خير... لماذا أتيت راكضاً؟..".
مسحت دموعي وبدأت محاولة في إخفاء مشاعري ونبرة صوتي المتوترة: "لا شيء، لا شيء أبداً" واستدركت: "لقد رسبت في مادة التاريخ".
قطّبتْ حاجبيها ثم قالت: "ليست بمشكلة إذا اتخذت من رسوبك حافزاً للجد..." وأغلقت الباب.
ـ لا أظن.. فذلك لن يعوض أبداً!!. قلت هذا في نفسي وصرخت من وراء الجدار: "هل عاد جيراننا من قريتهم؟"
أجابت: "اليوم صباحاً"
ـ تباً لهم
وأثناء نظري إلى السماء رأيت من خلال غبش الدموع القطة الأم وهي تحاول النظر باحثة عن ابنتها، فهرعت أخرج رأسي من النافذة ملوحاً بيدي بجنون خوفاً من بلية أخرى، صارخاً بأعلى صوتي: "ابتعدي.. ابتعدي"، غير آبه لا بالجيران ولا ببناتهم.