من حوار الياسمينة والعصفور (36)
من حوار الياسمينة والعصفور (36)
----------------سـوزان ضـو ----------------
من ضجيج الخارج وصمت الداخل في لحظة خشوع، من عناق الفجر والليل فينبضة شروق تنتهي لحظة تبدأ، ولدا معاً.
اجتازا الخطّ الفاصل بين الانتماء الكلّي والهجران الأكثر انتماءً، التقيا بصمت ينطق بآخر الكلام. فلنسمعهما.
الياسمينة
- أمس وقبله كنتِ الـ"أنا" وكنتُ الـ"أنتِ"، متشابكَين كما خيوط العنكبوت. اليوم، غداً، ولآخر ومضة حب ونبضة عين، تبقى يداي ممدوتين إليكِِ تحتضنان "أنا"ي وأبقى معكِ. كيفَ تقولينَ "أنتَ" وأقول "أنتِ"؟ لِمَ استبحنا مساحات الوحدة وقرّرنا فصل النفس عن نفسها؟
· في الذاكرة البيضاء لا وجود لنا، لسنا أكبر حجماً من حبّة رمل تحاول الانشطار إلى نصفين. في ذاكرتنا البيضاء لا مكان لسؤال أو جواب.
- إذاً نحن أين؟ لن تفصلي بكلمةٍ ما التحم بسفر دائم الى الحلم. أدوات كانت جماداً طوّعناها وزرعناها بذار حُب على امتداد صفحات. لن تخذلنا. لا تحاولي إيقاف صرخة "أحبّكِ" تهاجر إليك من صمتٍ يسكنني لتقيم في ضجيج حنانك.
· أطلِقْ حريّة صمتي. إسمح أن أستلّ القلم سيفاً أذبح به كلمات لم تقلها بعد، وأغتال زمناً آتياً "قد" لا تكون فيه.
- ومن يعطي الغد إذناً بالولادة من رحم رحيل اليوم؟
· أيّة ثانية بعدك، ليست ولادة. ستكون موتاً لكلّ الثواني.
- هوّيتي تعبُّدٌ لوفائك يرفعني بالإيمان صوب السماء، فَلِم تعيدينني إلى وثنيتي وجفاف عمري؟ أصنام متحركة تقترب مني كلّ يوم أكثر، فأنصهر بك حتى الذوبان. حبّك لم يكن يوماً كلمة. حبّك حياتي.
· أأشكر روحي على ظلمها؟ بعدك لا متحرّكٌ يعنيني ولا ساكن. أنتَ متحرّكٌ في داخلي بإيقاعٍ من نبض قلبي. لن أدع ملح الدّمع يشقّق شفتَيّ. لن يتحوّل فمي صحراء عطشى الى كلمة منك. دعني بك أنتَ أحيا.
- أعجز عن جمع الأحرف في كلمة شوق. صلبةٌ هي اللحظات، لا تتحلّل ولا تتفتّت. أدور حولها، أحايل غلاظتها فترفض ذرّات الهواء حمل اشتياقي، وتعجز رطوبته عن ترطيب قسوةٍ لغياب صدى اعتدته يعود إلي معطّراً بالياسمين.
· إقبل مني العمر على امتداد نبضات قلبي، وليكن انتظارك كسبعة أيام انتظار حوارٍ كتبناه لحناً يسافر إلى كلّ قلب يلهف عشقاً للأبيض.
- بعدي عنكِِ لحظات متحجّرة. أأتماسك وأنتظر رحيلها؟ أم أنجح في كسر صفوفها وإحداث شقوق في جدرانها؟
· في الذاكرة البيضاء كنتَ روح اللحظات. لا وجه لك. لا لون. كنت حلماً يهاجر من قيلولة الظهيرة إلى ساعات النوم الطويلة ليكون نصيبه من الحياة أطول.
- مدّي يدك. حطِّمي صلابتي بليونتِكِ. زيّني ذاكرتي بأولى الكلمات، وكوني ذاكرة أكتب عليها آخر الكلام.
· من وفاء الياسمين أستجمع دفق العطر ليكون اللقاء انتظار الشوق الذي ينحره الفراق. ما نفعها، رئتاي، إن لم تكن أنت أنفاسي؟ أكاد أختنق. دهراً تأخرتَ، ولم ينكسر انتظاري.