من حوار الياسمينة والعصفور (31)
من حوار الياسمينة والعصفور (31)
----------------سـوزان ضـو----------------
من صمت فضائه الملبّد بغيوم الفراق يأتيها صوته خائفاً، مشتاقاً، هلعاً من إمكان اختصارها وقت انتظاره، كما كان ولا يزال خائفاً عليها من... غيابه هو.
يا لسخرية القدر، حين تنقلب الأدوار.
ماذا يقولان اليوم، والفراق أرهقهما أكثر من المرّات جميعها.
|
· ياسمينتي! يافرحة العمر. |
| |
|
|
· من أيِّ أينٍ يأتيني صوتك، يا الغائب وراء حدود الغياب؟ | |
- كيف وأنتِ في قلبي القلب؟ لماذا تختارين أن يقف الكلام على حدود ولعي وهيامي بأجمل ما رأته عيناي؟
· فلتبقَ غائباً. لا تستدرك الوقت الضائع، بعد أن تغسل وجهك بندى الصباح، قل: "كان حلماً، كلّ ذلك ليس حقيقة. قل لذاكرتك وذكرياتك: هي قطعة من العمر لا وجود لها، لم توجد أصلاً".
- لماذا تبتعدين إلى أقرب نقطة تصل إليها أناملي؟ أوليست يدي معك دوماً؟
· دعني أصمت، أغمض عينيَّ وأردّد كلماتي: هو حلم وقطعة من العمر لا وجود لها. لن أسألك جواباً عن سؤالي. أعرف الجواب، ولأنني أعرفه أرجوك الرحيل. دعني أعُد إلى فراغ أيامي، اعتدته واعتادني.
- لن أترك أيامك تهاجر بعدي إلى فراغ. أحبّك فاكتبي. أكتبي لأن العصافير لا ترفّ آخر رفّة للسقوط، ولا تعزف أجنحتها إلاّ فوق مساحات من العطر، هي لن تقف أبداً على جانبيّ الطريق بل على أغصان الطهارة، وعلى باب الياسمين لا تُذرف الدموع بل نتنفس جرأة الاستنشاق.
· أعِد صوتك إليك. أعِد ليَ الكلمة. تعبتُ من جفافها وهجرانها أوراقي كأنك بغيابك المستمّر سرقتني من زاويتي وزرعتني على صفحات جرداء عقيمة. ما عاد العمر يعني لي أكثر من وقت، والوقت عدوّ أرفض خوض الحرب معه. ما عدت أثق بالعمر، ما عدت أريد الخسارة. سامحني.
- لا توقفي نزف كلماتك، لا تدعي قلبي يرتاح. علّميه الصبر فمن عذاباتك سيتحوّل القلب قلماً يكتب بالدمع "أحبّكِ يا ساحرة القلب".
· هناك دائماً لحظة نتعلّم كيف نسرقها من حزن الغياب لنَزرعها فرحاً في الحضور. إليكَ وحدكَ ودائماً: لحظة يتيمة هي كلّ الفرق.
- أحسد حفاظك دائماً على نظرة واحدة للأمور. نظرة متّزنة.
· يخدعنا الحلم أحياناً في عزّ ظمئِنا وعلى درجه ينكسر بعض الأمل وتحملنا الغصة إلى الرجوع خائبين.
- يا لقاء الكلمات الأجمل. يا لقاء من تاهت روحي بمسالك الشوق إليها حتى صار الوقت يغدرني بانشغالي باللَّهفة عليك. يا أنا، أحبّك.
· لم تفهم بعد. لن تدرك عمق الألم وأنت تقول أحبّك. إنتظر قليلاً بعد، سيدركنا الألم بدون أن تمتدّ إليه أيدينا في محاولة يائسة لقطفه قبل نضجه.
- لا! ألـمٌ يدركني في حضورك؟! وحدك تعرفين كيف تمتدّ الجذور لتعانق الأغصان، وحدك تنجحين في ترسيم حدود ليلي العابس ونومي الذي يتحوّل إلى يقظة تنتظر النّوم.
· لا تزال رموشك تحتجز كلام العينين وراء ظلمة النّوم. إشتقت إليك، فلتشرق على صباحي وتنسيني همّ الرحيل.
- يغدرني الوقت والنوم. إليك أتوب، فسامحي تواصلي مع عطرك على بوابة السفر.
· أراك تقفل حقائبك من جديد وتقلع باتجاه غربة أخرى. دعني أسدل رموشي على صورة وصولك الذي ما بعده انتظار، دعني أحلم أنك لا بدّ عائدٌ مرّة لتبقى. ولكن، بانتظارها، تلك اليتيمة، أجدّد انتظاري إياك، فلا... لا تتأخر.