من حوار الياسمينة والعصفور (40)

سـوزان ضـو قرأها 1,620
 

من حوار الياسمينة والعصفور (40)

---------------سـوزان ضـو---------------

تتألّم بصمت حزين. تحلم باجتياز السور الملتفّ أفعى على عنق الحديقة. تتسلّق درج أحلامها كالسلحفاة. ظنّتها تعمّر أطول إن أسدلت الرموش عليها. أخطأت الحساب. لم تتجاوز من الخطوات بضعها حتى قرّرت العودة. تنفّست رائحة النتانة خارج رئتيها، جدّدت النذر والانتماء وعادت إلى انتظارها المثمر انتظاراً عَطِراً.

**

 Img.Dialogue%2020.JPG

·                 لن أخرج من رئتيكَ ونبض قلبي فيهما. لن أهجر شرايينك طالما تصلني بك أينماكنت.

-                يا التي خرجت كلمتكِ صلاة وصلت إلى آذان خشوعي نقاء ياسمين: لن تحوّلي سفري ستائر حزن بل شلاّل فرح يغمرنا عند كلّ لقاء.

·                 قلتُ لك: ستبقى حتى الرّمق الأخير معلّقاً بين الرّمش والعين، مرسوماً بين خطوط الوجه ومنتشراً فوق مساحات الجلد. يا الـ"أنتَ" الحلم، وأنا العينان المغمضتان على أجمل الأحلام: في حدائق الياسمين يزهر نقاء الأبيض، فاقبل مني عطر اليوم ينتشر في فضاء الغد حتى آخر العمر.

-                يا الـ"التي" صرتِ ريش جناحيّ ووجهة عمري، شكراً للعمر الذي احتفظ بأغلى هداياه ليقدّمها لي، على مذبح الزّمن الآتي، انتماءَ نقاءٍ وعهدَ وفاءٍحتى الإغماضة الأخيرة.

·                 لكي تبقى أجمل الصور عالقة بين الرّمش والعين، احتجزنا لقاءنا في خانة الانتظار، ولكي تبقى الحكاية  ثواني فرح لا شبيه لها، كان الانتظار حتى آخر زفرات العمر.

-                لأجل ذرّات التراب التي انغرزت فيها جذورك، لاتغربي عن عمري. لأجل عينيَّ اللتين تلاحقان تفتّح بتلاتك، لا توقفي شَدْوَك. أنا من دونه أصمّ ينتظر العمر ليسمع نغمة يتيمة، وأبكم يجمع شتات الكلمات لينطقها في كلمة.

·                 من أين آتي بكل ما عندك من كلام لأرمّم جراحاً تنقسم في كلّ لحظة انتظار؟ أين أقيم وقلبكَ ليس مسكني؟

-                إذا هجرتِني أتيه في فضائي شرياناً مفرغاً من دمائه. الدّهشة، ياسمينتي، من أسرار الوجود، ويوم تعرفين ماذا فعل حضورك بي ستكون دهشتك أكبر.

·                 قطارك ينطلق بك على سكّة الأمان. آن الأوان لتحلّق بجناحيك دون أثقال الماضي.

-                أيتها الحبيبة الخارجة عن منطق القلب: تذّكري أن تقرأيني في عقلك، عاطفة تحتجز المستقبل في إطارٍ، حدوده جهات القلب ومشارفه رموش العين.

·                 تريد أن تُعَلِّمني؟ أرضى بالعودة إلى مدرستك. ولكن... ألا ترى أن شمس العمر، يوم أشرقت على تلالنا، وجدتها مأهولة لا مكان فيها لخيوط نقيّة، وأن لا مكان لإشراقتنا في رحابة الكون؟ أنظر جيداً، تدرك أننا وصلنا متأخرين عمراً عن العمر الذي أعلننا نوراً لكل غدٍ آتٍ.

-                تعالي معي. رافقيني إلى زاوية الصّمت الأخيرة، وحدها بقيت لندفن فيها ألم يومٍ لا غد له. قد لا يكون لنا مكان، لكن الكلمة ستجد دوماً مكانها. أليس بعض الجنون أنك أنت وتره؟

·                 لأن الآخرين تساقطت أحلامهم من جيوبهم لا من قلوبهم، وجفّت من شرايينهم الرغبة بانتشال بقاياهم الحيّة، سقطت أعمارهم في ذاكرة غدٍ لا رغبة لديهم بانتظاره. انتهوا.

-                صحيح. حملوا حقائبهم الفارغة وانتقلوا إلى الضفة الأخرى. جرف النهر الحقائب والذكريات وبقيت أقدامهم معلّقة فوق المياه. لا مكان ينتمون إليه ولا زمان. جميعهم كذبة أقفلَ عمري الباب عليها.

·                 أشفق عليهم. احتجزتهم ثانية تالية لم يحن أوانها بعد. لن يكملوا الرحلة، لا رغبة لأحد باستقبالهم عُراةً من قلوبهم.

-                تهتمّين؟

·                 بل أبحث في أيّامهم عمّا سرقوه منك لأعيده إليك. يمكنك الرّحيل، سأفتّش بين بقاياهم عنك وألتقطك يا جوهرة العمر. حلّق في فضائك النظيف ما شئت، وعُد متى شئت. أنا في انتظارك.

                                               Damyasminah01.JPG          

من حوار الياسمينة والعصفور

فاتحة.. إلى قرّاء "جماليا"

(39)