من حوار الياسمينة والعصفور (39)

سـوزان ضـو قرأها 940
  

من حوار الياسمينة والعصفور (39)

---------------سـوزان ضـو---------------

قرّرا محاولة أن يعيشا فكرة واحدةً معاً، هو: مغادرة الفضاء، وهي: هجرة الحديقة إلى محطة استثنائية.

ماذا قالا، وهما يسكنان الحلم في ثواني اليقظة؟

                                                B0039.JPG         

-       سجينة قضبان منفاكِ الاختياري، يا من تَحلمين بالسفر وتُحبين القطارات. تعالي معي إلى المحطّة.

·       في خيالي صورةٌ أحتفظ بها منذ الطفولة لمرور القطار: يقطع السّهول، يتمايل كضفائر طفلة تلهو على بيادر قمح، يصفر بين الجبال، يتردّد صداه في الوديان... تلك الصور، ولَم أرَ قطاراً مذ أشرق عمري على مَحطات العمر.

-       لم يتبدّل شيء في الصورة.

·       تُخطئ... اليوم صار للقطار ضجيج آخر. إحتضن تحت جناحيك صوت شوق الطفلة. إحتضنها في طفولتها.

-       ثَمّة مَحطّة وقطار لَم يتغيّرا. أعلني فرحكِ في كلماتٍ تزيّن الرحلة حتى آخر خطواتها.

·       كلمات أنثرها على بيادر صفحاتنا، حتى في مواسم الغياب؟ إليكَ بعضها ليخبرك عن حزن الغياب.

-       بل أريدها أغصاناً تغرّد عليها العصافير فرحة الحضور.

·       دعني أفهم جدوى الغياب. أحاولتَ مرّة أن تكمل ابتسامةً بعد لحظة الفراق؟

-       أحيا فرحتي بها حتى عودتي إليكِ.

·       لا مكان للفرحة حين لستَ هنا. أحاولت مرّة أن تُطيلَ ساعات النّوم لأن عينيكَ لن تريا وجه الحبيب؟

-       أسابق الشمس إليكِ.

·       ... ودائماً تتأخّر ، تصل بعد لَحظة قرار اغتيال الانتظار.

-       أفرِد جناحي للطيران إليكِ، يَختارني الغياب ولا أختاره. كأنك تمسكين بمفتاح الدّنيا، يحضرني صمتك فيبطئ حركة جناحيّ وأتوقّف على محطّات كنتُ هجرتها.

·       ومَحطّتنا؟ وقطارنا؟

-       يا حكيمة وقتي، كم غنيّةٌ مواسمك، تغري العصفور بالتوقف عند محطات أخرى فيبتلع قساوتها حبّة قمح تخنق تغريده.

·       حين تتكسّر الحجارة في مقالع العمر وتتحوّل إلى رمال جاهزة للبناء، تضيع الحبيبة في غبار الأيام.

-       تلك الرّمال تبتلعنا إن حاولنا مقاومتها.

·       حين تغيب الحبيبة ويبقى البشر في أماكنهم بصورة حجارة، وحده الكلام يضيع في رحلة صمتٍ وُجْهتها واحدة.

-       أهي طريق اللاعودة؟

·       بل هو حجاب رحيل نَختفي وراءه حين نسدل الرّموش على الغياب لا الحضور.

-       أأشكرك لأنك كنت آخر نسمة هبّت ذات عمرٍ كالإعصار؟

·       بل هي كلماتي اختارت الاستقالة من شوقي المعلن على مدار الصفحات.

-       وأيّة جهة تحتضن بوصلتي إن لم تكوني أنتِ وجهتي؟

·       وعدتَني بِمحطّة يَحملنا إليها قطار لم تبدّله الأيام. إن أردت الضياع أوقف الرحلة. ترجَّلْ عن متن الحلم وادخل غابة أفكارك واصرخ فيها انتهاء أفراحك.

-       أنتِ أميرتي، وكلّ المسافرين حجارة ترتدي أحلاماً كاذبة. يا حقيقة عمري، لا تجعلي أيامي نسخة تتكرّر كلّ يوم. أعيدي لي الجهة الخامسة.

·       كلّ الألوان حين نمزجها تعطي لوناً آخر، إلاّ الأبيض.

-       تحاولين إنهاء الرحلة؟ ألأبيض هو أساس الألوان جميعها.

·       بل هو الفجر يريد أن يرتاح، ورحلتنا لَمّا تزل في بدايتها. أَتْرُكُهُ بين يديك نَهاراً تشرق شَمسه على مَحطة بيضاء لن توقف انتظارها إيانا، وأَذهبُ إلى صمت النوم مَخافة هروب الليل. لن يُشرقَ سَمعي إلاّ على تغريدتك. الرحلة في انتظارنا، وأنا في أنتظارك. لا تتأخّر.

Yas0039.JPG

من حوار الياسمينة والعصفور

فاتحة.. إلى قرّاء "جماليا"

(38)