رسائل رجل محترم جداً - الرسالة السابعة

محمد نصّار قرأها 7
 

رسائل رجل محترم جداً

الرسالة السابعة

محمد نصار

حبيبتي هدى

لقد أضناني الشوق إليك وقضّ مضجعي، أرّق عيني وأذكى صبابتي ولولا خوفي من أيد غادرة وأخوة تبرأ الذئب من فعلهم، لجئتك سعياً رغم كل الصعاب التي تفصل بيننا.

فاتنتي الجميلة.

لعلِّي لا أجافي الحقيقة لو قلت أني أشعر بقلق شديد عليك وخوف لا يوازيه خوف. فالأخبار التي تصلنا تباعاً من قبلكم لا تبشر بخير ولا تأمل بذلك، نراها في وجوه الزائرين.. في خلجاتهم.. في همساتهم وأحياناً في لسع نظراتهم التي تستكثر علينا عيشاً لا يطمح إليه أحد سواهم، قد يبدو حديثي سوداوياً بعض الشيء، أو غريباً إلى حد ما، لكنه يلامس كبد الحقيقة، الحقيقة التي تبدو في نظرك ونظر الآخرين ضرب من الخيال، وأنتم معذورون في ذلك، لأنكم من موقعكم هناك لا تتطلعون عليها وبالتالي لاتملكون أدوات الحكم التي تؤهلكم للنظر فيها، بعكس الحال هنا.

هنا الأمور كلها تحت المجهر، ما يحجب عنكم هناك نراه هنا، وما يتم التستّرعليه عندكم  يفضح أمره عندنا، الأشياء كلها مكشوفة لدينا ولا يسعى أحد لإخفائها، ربما لاعتقاد ما، بأننا موتى والموتى لايملكون شيئاً من الحواس التي تؤهلهم للتعامل مع الأشياء التي تجري من حولهم.

حبيبتي هدى.

لم يكن مردّ خوفي عليك نابعاً مما يصلنا من أخباركم فقط ولا مما يتسرّب إلى مسامعنا من همس يجري بين هذا الطبيب أو ذاك ولكن من كم المرضى الذي أصبح في ازدياد مضطرد، أجيال مختلفة.. فئات مختلفة والسبب واحد، مرده في غالب الحال واقعكم الذي تعيشون.

بالأمس جاءنا نزيل جديد، حل محل العجوز الذي توفى قبل فترة وجيزة، بدا الرجل في عمر ذاك العجوز تقريباً، لكنه أشرع منه قامة وأشدّ بنية. بمجرد أن أودعه الممرض الغرفة وانصرف، نظر إلينا نظرات متفحصة، ثم بسط ذراعه إلى الأمام ورفعها إلى الأعلى كأنما يرفع بها شيئاً عن الأرض وقال بنبرة آمرة: قيام. فاتجهت الأنظار إليه متبلدة.. متحجرة، ليقابلها بنظرات مستغربة.. مستهجنة، ثم أعاد الطلب مرة أخرى فلم يجد لمطلبه صدى، الأمر الذي جعله يدنو منا أكثر، ثم راح يتفحص الوجوه عن قرب بروية وتمعن، ثم قال بنبرة تشي بالوعيد: لقد عرفتم يا ملاعين بأن راتبي مقطوع فعصيتم أمري، أهذا هو الوفاء!.. أهذا هو الإجلال للعلم والمعلم! سترون عاقبة أمركم.. سترسبون جميعاً.. أعدكم بأن أياً منكم لن ينجح في مادتي. ثم أطرق للحظة راح بعدها يتأمل الوجوه مرة أخرى وقال بتوجّس وحذر: لا أستبعد أن يكون الواشي من بينكم.. هيا أخبروني.. أيكم الذي "سفني تقريراً"؟.. هيا تكلموا.. من منكم الذي خرب بيتي ودمر أسرتي؟؟. ثم أجهش بالبكاء، تهاوى على السرير وغاب في دوامة من النحيب الذي لم يخرجه منها سوى لمساتي الحانية وصمتي المفجوع أسفاً عليه، نظر إلى الرجل من بين دموعه وقال بلوعة وأسى: كنت عازماً أن أزفَّ عادل هذا الصيف وأن أدخل ليلى الجامعة مع بدء العام الجديد، فذهبتْ أحلامي أدراج الرياح، وأنا كما ترى، لا أملك من دنياي سوى علم أنفع به الناس، لم أحمل بندقية لأقاتل على دنيا زائلة ولم أرفع راية أختبئ تحت لوائها.. ثلاثون عاماً وأنا أدرِّس التاريخ، أذكِّر الناس بسيَر أسلافهم، أضيء جوانبه المشرقة وأسدل الستار على ما فيه من مخازي وعيوب، أشيد بغزواتهم وفتوحاتهم وأنأى عن فتنهم وصراعاتهم.. عن نزواتهم وملذاتهم.. عمن باعوا ومن اشتروا.. من أعطوا ومن نهبوا.. من ضحوا ومن سلبوا، لم أفكر يوما بأن التاريخ الذي أحفظه عن ظهر قلب, بكل ما فيه من زيف وصدق.. من غث وسمين، سيعيد نفسه مرة أخرى في ثوب جديد وأن أصبح واحداً من ضحاياه الذين احتطتُ دوماً ألا أكون واحداً منهم ولكن يبدو أن الحذر لا يمنع القدر، أريد أن أعرف تهمتي.. أن أعرف السبب الذي من أجله سلبوني قوت أهلى وكرامتي وليفعلوا بي بعدها ما طاب لهم. ثم أجهش في البكاء حتى أعياه الأمر، فتمدّد في مكانه وغاب في سبات عميق. غاب وترك لي لوعة الألم ومرارة الأسئلة.

حبيبتي الغالية،

هل عرفت الآن لم أنا قلق عليك ومما أخاف؟، بالتأكيد ما من شيء يخيفني أكثر من هذا الواقع الذي لا أراه مبشراً بأي حال، آمل ألا تطول سطوته علينا وأن يجمعنا لقاء قريب.

المخلص لك دوماً

يوسف

رسائل رجل محترم جداً

الرسالة الأولى

الرسالة الثانية

الرسالة الثالثة

الرسالة الرابعة

الرسالة الخامسة

الرسالة السادسة