قصائد مختارة
شاعرٌ يُشبهُ الشنفرى
شاعرٌ يُشبهُ الشنفرى
يتلَمَّسُ وردَ عذاباتهِ في تجاويفِ دورتهِ الدمويَّةِ
تسكنُ أنهارهُ في مكانٍ قصيِّ الاشارةِ
في منتهى جسدي المتمزِّقِ مثلَ البيارقِ في ساحةِ المعركةْ
تجمعُ الريحُ أعضاءَهُ وتفرِّقها في أعالي الكلامِ
رؤىً بضَّةً
جوقةً من سنابلَ فضيَّة الصيفِ
شمساً شتائيَّةً تستحمِّينَ فيها
...بكاملِ مرجانِ روحكِ من عقدةِ الخوفِ واليأسِ
بحراً يتيمَ القصيدةِ يقصدُهُ العاطلونَ عن الحُبِّ والصعلَكةْ
مساءً أخيراً لشمسِ سدومَ
ندىً ناعساً
قزَحاً غامضاً تستريحينَ فيهِ من الانكسارِ
على سورِ قلبي الوحيدِ الشريدِ
تذوبينَ فيهِ كقطعةِ غيمٍ
كبسمةِ ليلكةٍ للصباحِ تعُبُّ النجومَ التي نُعفَتْ في وريدي
هنالكَ معنى حنينٍ يضيءُ الظلامَ القليلَ
يُفسِّرُ أفراحَ حزني الخفيِّ
هنالكَ في القلبِ أزهارُ حورٍ
وأشجارُ نورٍ يُعرِّشُ صفصافها في غنائي
هنالكَ دهرٌ طويلٌ كليلِ امرئِ القيسِ
تحملهُ القُبُلُ المنتقاةُ بذوقٍ رفيعٍ بديعٍ يخضُّ نجومَ دمائي
ربَّما في مكانٍ قصيِّ العبارةِ في منتهى قلَقي
يقتفي شاعرٌ آخرٌ شبقَ اللوزِ في فضَّةِ الدمعِ
مُستسلماً لسكينةِ وردِ الرخامِ ومقتنعاً بخسارتهِ
ويحبُّ السماءَ إذا ما استطاعَ إليها سبيلا
*
قصيدةٌ إلى عبَّاد الشمس
حلمتُ فردوسُكِ الكحليُّ يصلبني
وجسمُكِ الناعسُ الموَّارُ لي خشَبُ
أنامُ والبحرُ مرميٌّ على شفتي
وفي عروقي غيومُ الطيرِ تنسكبُ
هل تسمعينَ صراخَ القلبِ إنَّ بهِ
مليونَ حوريةً عذراءَ تُغتصبُ؟
كأنَّ وردةَ أعضائي غدَتْ كِسفاً
على الثرى وكأنَّ الطلَّ بي لَهَبُ
... تحفُّني الشعلةُ الخضراءُ.. تأكلني
أحلى الطيورِ ونارُ الشعرِ والكُتُبُ
ويطلعُ الشاعرُ المدفونُ من جسَدي
أو أسفلِ البئرِ تهمي حولَهُ السُحُبُ
يُقبِّلُ الأرضَ بالعينينِ.. يُنطقها
بدمعةِ الصمتِ..حيثُ الشِعرُ يحتجبُ
ويحتوي من دخانِ الروحِ مُخمَلَ من
شدَّتْ على طيفها الأضلاعُ والهُدُبُ
تُآلفينَ دمي الليليَّ فيكِ وذا
عبَّادُ شمسكِ في عينيَّ يغتربُ
وتنفضينَ فتاتَ الماءِ عن لغتي
فيقتفي العطرَ بي طيرٌ وينسربُ
وكلَّما مسَّ سهواً برقُها جسَدي
بكتْ زليخةُ حتى يدمعَ العِنَبُ
حتَّامَ تشربُ يا ديكَ الجنونِ أجبْ
رمادَ وردكَ يجلو خمرَها الذَهبُ ؟
بيضاءُ زنَّرها البدرُ المُعذَّبُ في
جسمي وغارَ شذىً من ريقها الحبَبَبُ
كأنَّها وردةٌ لوزيَّةٌ رقصَتْ
في حضرةِ النارِ..حفَّتْ ماءَها الشُهُبُ
تهزُّ أجراسُ قلبي كلَّما انتبَهتْ
من يقظةِ الحلمِ.. أو يُدمي دمي طرَبُ
نداءُ وضَّاحَ مزروعٌ على شفَتي
فما لروضةَ نامَتْ وانتهى السبَبُ ؟
*
هل حياتي حقيقيَّةٌ ؟
إلهي الذي في السماواتِ يخذلني المتقاربُ حينَ أُناديكَ
تأخذني دمعتي من يدي
أنا عبدٌ لمجدكَ وردٌ مُراقٌ لوعدكَ وعدٌ لسرِّ علاكَ أنا
هل لهذا العذابِ المُعلَّقِ فوقَ مرايايَ من آخرٍ..؟
-قد تطاوَلَ موتي هنا -هل حياتي حقيقيةٌ؟
هل خطى الناسِ حولي حقيقيةٌ ؟
هل خطى العالمِ المتحدِّرِ من ظلمةِ الكهفِ
والمتحضِّرِ حولي حقيقيَّةٌ ؟
...أتحسَّسُ نفسي..يدي.. شغفي.. لهَفي.. قلَقي.. نزَقي.. حبَقي..
خيطَ هجسي.. خطايَ.. هوايَ.. رؤايَ.. دمي.. رملَ حدسي..
فمي.. ماءَ شمسي.. ندى الذكرياتِ الصغيرةِ والأغنياتِ الفقيرةِ
هل كُلُّ تلكَ التفاصيلِ في عالمي يا إلهي حقيقيَّةٌ روحها أم كذِبْ؟
يا لشمسِ السرابِ الطفوليَّةِ الدمِ والمشتهى
يا لعطرِ العِنَبْ
هذهِ الأرضُ معجونةٌ بدمي بصراخي..
بدمعِ الطيورِ التي انقرَضَتْ من بكائي..
بمائي.. بسرِّ بهائي الذي شاخَ في بئرِ روحي قديماً
ولم يتحمَّل غنائي
بما ظلَّ منِّي ومن شبَحي تحتَ بابِ السماءِ
إلهي الذي هو أقربُ منِّي إليَّ
أُناديكَ من هذهِ الغابةِ الحجريَّةِ من هذهِ الأرضِ -مهدِ الشياطينِ-
يخذلني الشِعرُ حينَ أُناديكَ
تأخذني دمعتي من يدي
وابتسامةُ لوركا إلى قمرِ البحرِ تأخذني
هل أطيرُ على ماءِ قلبي..؟
التماعاتُ روحي
انهياراتُ هذا الصباحِ المُضمَّخِ بالزنجبيلِ
ورائحةُ المسكِ والهالِ تأخذني
هل حياتي حقيقيَّةٌ ؟
هل جميعُ تفاصيلِ روحي حقيقيَّةٌ أم كذِبْ؟
هل حقيقيَّةٌ كلُّها.. وحقيقيَّةٌ مثلُ هذا التعب؟