رسائل رجل محترم جداً - الرسالة الثالثة

محمد نصّار قرأها 6
 

رسائل رجل محترم جداً

الرسالة الثالثة

محمد نصّار

حبيبتي هدى

لو تعلمين كم أنا في شوق إليك.. في ولهٍ لرؤية محيّاك الجميل والتعبّد في محراب نوره البهي.. للنظر في عينيك الساحرتين والغوص في بحورهما العميقة، لالتحاف أنفاسك العطرة واللّوذ بدفئها الأخّاذ. لو تعلمين كم مرّة زارني طيفك الفتّان وجاب بي عوالم لم أطأها.. عوالم خارج اللحظة التي أعيش.. خارج الأسوار التي تحجبني عنك.. عوالم تجمعني بك وأحيا بها.

حبيبني الغالية

حدث أمرغريب هنا بعد رسالتي الثانية إليك، إذ جاءني ذلك المتقزّز قبل يومين وراح يدور حولي متفحصاً، ثم أخذ يلهبني بنظرات أثارت بي الخوف من حدّة وهجها، لدرجة أن حسبته مطبقاً على عنقي لا محالة، لكنه ظلّ يرميني بها برهة من الوقت وأنا بالكاد أقوى على الوقوف أمامه، من شدة ما أصابني من الهلع، ثم جثا على ركبتيه وانخرط في بكاء يشبه العويل إلى حد كبير، تلفتُ حولي لعلّي أجد من يشرح الأمر أو يفسره، فلم أر سوى نظرات باهتة.. باردة لا تكترث لشيء مما يدور حولها، فكرت في مناداة الطبيب، لكنه فاجأني بصيحة ارتعدت لها فرائصي.

-       إلى متى سأنتظر.. وعدتَني ألف مرة بأن تجد الحلّ ولم تفِ مرة واحدة، أجبْني إلى متى سأنتظر.

ثم راح يصرخ في وجهي ويهزني بعنف. أنقذني منه دخول الطبيب والممرض على عجل، فانكمش أمامهما كطفل صغير وانسحب إلى سريره ينتحب. نظر إليه الطبيب مليّاً، ثم خطا نحوه بضع خطوات ووقف يتأمله إلى أن خمدت ثورته، فجلس إلى جواره وقال بما يشبه العتاب:

-       ألم أعدك بأن أجد الحل ؟.

فهز رأسه مؤمّناً على قوله، ثم عاد لينتحب من جديد، ربّت على كتفه بحنو وقال بنبرة مطمأنة:

     -        مازلت عند وعدي.. ولكن شرطَ ألا تعود إلى مثل هذا مرة أخرى.

فأومأ بإشارة من رأسه وتمدّد على السرير يغلفه ملح الدموع ولسعها. نظر إليه الرجلان بإشفاق وتهامسا بكلمات، قبل أن يتركا الغرفة غارقة في أحزانها، ففهمت من خلال ما قالا، أن نارا أتت على ملك الرجل وشقاء عمره، فعزاها البعض إلى تماسّ كهربي، ضرب مصنعه وبيته الملاصق، فأجهز عليهما وادّعى آخرون ،أن ما حدث كان بفعل فاعل، أراد الانتقام لأمر لا يعلمه إلا الله، بينما أوردت إذاعات محلية نبأ استهداف المصنع بصاروخ معادٍ، فأمّن الكثيرون على قولها، لكن البعض شكك بهوية الصاروخ، إلا أن المحصلة واحدة، والنتيجة دفعت بالرجل إلى التشحطط من مؤسسة إلى أخرى ومن تنظيم إلى حركة ومن حزب إلى وزارة وفي كل محطة لا يجد غير الوعود، وعود بحلٍّ قاده البحث عنه إلى هنا.. هنا حيث البحث قاصر على السؤال فقط، بينما اللهاث المحموم خلف سراب الأجوبة متروك لكم.

حبيبتي هدى، لعلي أطلت عليك هذه المرة ، لكن اعذريني، فأنا لا أشعر بسعادة كتلك التي أشعر بها لحظة الكتابة إليك، آمل أن تكوني بخير وإلى لقاء في رسالة أخرى.

المخلص لك دوما

يوسف

رسائل رجل محترم جداً

الرسالة الأولى

الرسالة الثانية