رسائل رجل محترم جداً - الرسالة السادسة

محمد نصّار قرأها 7
 

رسائل رجل محترم جداً

الرسالة السادسة

محمد نصار

حبيبتي هدى.

أهديك تحية ندية عطرة، محملة بكل ما في الكون من محبة ووفاء، بكل ما فيه من صدق وصفاء، أهديك كلماتي الحانية بكل ما في معانيها من شوق وهيام.. من وجد وغرام.. أهديك صبابتي وشوقي المجنون إليك دوما.

حبيبتي الغالية.

لربما ساءك تأخر رسائلي عنك ولعله أشعرك بشيء من التوجّس والقلق، أوالحيرة والأرق، فعذراً لك مني وألف عذر، عذراً عن ذنب لم ارتكبه، لكنه جاء رغما عني، جاء محكوماً بالظروف التي نحيا وبالواقع الذي نعيش، فالأشياء هنا لاتخضع لرغباتنا ولا تسير وفقا لأهوائنا، بل هي تبعاً لإراداة خارجة عنا ولظروف أقوى من أن نؤثر فيها. لعلك تتساءلين الآن عن الظرف الذي اضطرني إلى التأخر في بعث رسائلي إليك والأسباب والدوافع التي أدت إليه وحتى لا أدعك صريعة الأسئلة وتهويماتها، فإني أطلعك بإيجاز شديد على ما حدث.

أنت تعرفين طبعاً ذلك العجوز الذي سبق وحدثتك عنه، ذلك المسكين الذي أمضى وقته هنا، حبيس السؤال الذي ظل يقذفه في وجه كل من قابله، السؤال الذي يبحث عن سر قتل الأخ لأخيه وضنك الإجابة المضني عليه.. ذاك العجوز الذي ظل حبيس الركن الذي أبى أن يفارقه، رغم إلحاح الأطباء عليه ورجاء عجوزه التي كانت تأتيه على فترات متباعدة، بكل ما فيها من وهن ونصب، تجلس إلى جواره بتودد وخضوع .. تتأمله كأم حنون، تبتسم في وجهه رغم تعب السنين المحفورة في تجاعيد وجهها، تربت على كتفه حيناً وتهمس في أذنه أحياناً، فيسعتصي عليها صمته الموشح بالحزن والأسى، تغلبها الدموع وتجبرها على أن تغادر مجروحة .. مكسورة الخاطر.

في المرة الأخيرة خرج معها إلى الحديقة.. خرج مثقلاً بوجع السنين والأحزان المتكدسة على كاهله، فكان خروجه من دائرة السؤال التي تحاصره حدثاً فاجأ الجميع، بمن فيهم الأطباء الذين رأوا فيه أمراً مهمًا وتطوراً ملفتاً ولم يدر أحد منهم إن كان سر الخروج نابعاً من تأثيرها، أو من رغبة تولدت لديه، لكنهم تعاملوا مع الأمر كواقع مبشر، ولم يلتفت أي منهم إلى شخص سيتسبب وجوده في المكان، بكارثة لم تخطر لهم ببال، فبينما العجوز مع زوجته يستظلان تحت إحدى الأشجار الوارفة ، إذ أقبل عليهم شاب في مقتبل العمر وما أن رآه العجوز حتى راح يصرخ بشكل هستيري: أبعدوه عني .. أبعدوه عني قاتل أخيه. ، ثم سقط على الأرض مزبداً.. متشنجاً، فهرع من في المكان من زوار وأطباء لنجدته، لكن بعد فوات الأوان، مات العجوز بعد ساعات من نقله إلى العناية المركزة والشاب الذي اقتحم عليه خلوته فر من المكان على عجل، ليتضح بعد ذلك بأنه ولده المتهَم في قتل أخيه، هذا ما ادعاه عدد من الأقارب الذين شهدوا الواقعة وأكده الممرضون، إذ تبين أن الشاب جرى نقله إلى المستشفى قبل مدة وجيزة، جراء نوبات عصبية كانت تنتابه في الليل والنهار، حاولوا في البدء التكتم عليها أو مداواتها، لكن الأمر خرج عن إرادتهم وأصبح خطره يهدد كل من يحيط به أو يقربه، مما اضطرهم في نهاية المطاف إلى جلبه إلى هنا، هنا حيث كان اللقاء الأخير بين الرجلين.. اللقاء المفجع .. اللقاء الذي ربما تحاشاه العجوز لحدس بداخله، لكن الأقدار أبت إلا أن تفعل فعلها.

حبيبتي الفاتنة،

لم أشأ أن أزعج خاطرك بهذا الحديث المفجع ولكني اضطررت للخوض فيه، طمعاً في أن يكون عذراً مقنعاً يشفع لي عندك، مع وعد بألا تغيب رسائلي عنك أو تتأخر في المرات القادمة.

حبيبك المخلص دوماً

يوسف

رسائل رجل محترم جداً

الرسالة الأولى

الرسالة الثانية

الرسالة الثالثة

الرسالة الرابعة

الرسالة الخامسة