من حوار الياسمينة والعصفور (11)
من حوار الياسمينة والعصفور (11)
---------------- سوزان ضو----------------
قررا اختصار الحوار بكلمات. لم يشأ إغضابها. لم تشأ خذلانه.
تركته يسأل. أجابته.
ماذا قالا؟
- من أين تأتي الكلمة؟
· من القلب.
- من أين تأتي الصورة؟
· من القلب.
- من أين تدمع العين؟
· من القلب.
- من أين تمطر حزناً ودمعاً؟
· من القلب.
- ليته يتوقّف، هذا القلب.
· لن يفعل. قلوب كثيرة توقّفت، ولا تزال الحياة مستمرّة.
- قد أتجمّد في أحد القطبين بعيداً عن دفئك.
· لن تفعل.
- الغصّة وقفة الحياة. الغصة انكسار وموت.
· سأعكسها لتعرف معنى الغصّة: وقفة القلب غصّة. الموت غصّة. وأكبر غصّة: رحيل الأحباب في سفر موجع حتى العظم.
- وتنتهي القصة هنا؟
· بل هنا تبدأ. ترافقنا غصّة غيابهم، تحتجزها نبضات القلب، تسافر في الشرايين، تفقد طريق المغادرة.
- حصتنا من الحزن كبيرة، بحجم الجبال. تعالي نغلب الحزن.
· لا قدرة لنا عليه. هو أكبر منّا.
- بالجنون ننتصر عليه.
· بأي حق؟ تأخرنا كثيراً، لم ننتبه، لكننا تأخرنا.
- حين كنا صغاراً، قلنا تأخرنا. من كمشة سنين قلنا تأخرنا.
· من أين تأتي الكلمة؟
- من الحلم. تَخرج إلى الحقيقة كالصورة الجديدة. تظهر التجاعيد. تخبرنا كم تأخرنا. نغمض أعيننا عن رؤيتها لكنّ ذلك لا ينفي وجودها.
· من تشبه الكلمة؟
- تشبهكِ. تخرج من القلب نقية بيضاء لتوصل الرسالة.
· ستبقى حتى الرمق الأخير معلقاً بين الرمش والعين.
- أسدلي رموشك ودعيني أغوص في ملح الدمع، أجتاز الشرايين، وأرقص على نبضات قلبك.
· ونعيش اللحظة لما تبقى من العمر. يأرج عطري، يحتجزك. أوقف رحلة انتظاري؟
- وتنتهي الكلمة...
· وتتشابه الأيام. ننتظر خلف خيال الضوء، وتهرب الكلمات. لِماذا؟
- لأن ثياب النهار تتحوّل إلى ثياب للنوم...
· ويهرب النوم من جميع الساعات...
- وتهرب الوسادة.
· تتحوّل مَخبأً للدمع.
- البيوت تقفل أبوابها في وجهنا، وتنبذنا الأرصفة.
· لأننا لم نعد نحن. صرنا مجانين، والطرقات لا تحب المجانين. يعجقونَها بصراخهم وضجيجهم.
- ولا يبقى غير الحديقة تذكِّرني بكِ، فيزداد جنوني.
· وبعد عمر تذبل زهورها، فلا يبقى غير مَجنون ينتظر الربيع الآتي من شتاء الدمع.
- وتغيب الروح ولا يبقى غير الألم.
· وتنتهي الدنيا ولا يبقى غير الألم.
- وعندها، أين سنلتقي؟
· في دنيا لم تخلق بعد. لكننا سنلتقي. وستأتي، حين تأتي، لتجدني بانتظارك.