من حوار الياسمينة والعصفور (8)
من حوار الياسمينة والعصفور (8)
---------------- سوزان ضو ----------------
إلى محمود درويش... منه.
للمرّة الأولى يصل ولا يجدها في انتظاره. أذهله غيابها، ناداها بتغريدة المشتاق. لا جواب.
سبقته عيناه تبحثان عنها، في زاوية الحديقة رآها... ذابلة ترتوي بدمعها.
هرع إليها منقبض القلب. سألها، أجابته بنظرة عتاب قبل أن تتكلّم.
- ياسمينتي! ما الحكاية؟
· ما الحكاية؟! ألم تفقد ريشة من جناحيك ووجدتَ صعوبة بتنشق هواء الفجر؟! ألم تعرف؟؟؟ ماتَ الشاعرُ الشاعر، هربت من السماء نجمة ومواسم الكلمات كأنها في إجازة.
- كنتُ بعيداً. من غاب؟
· غاب، يا عصفوري المهاجر من قال: "مذ طارت عصافير الرّبيع تجرّد الشجر".
- محزن ما قاله، كان يعرف أن الطيور بيوتها الأشجار!!
· كان يعرف كلّ شيء، بكلماته اختصر الوطن والحب والشهادة و...و...،.
- أخبريني عنه بعد، ماذا قال أيضاً، كيف قال ما قاله؟
· هو من نادى الشرايين لتكون الصوت الصارخ بالذكريات حين قال:
" ... وشيء في شراييني يناديني لأشرب من يديكِ ترمُّد الذكرى..."
- غريب، كيف لم أعرف وأنا المسافر في شرايينك؟
· تُكْثِرُ الأسفار وتطيل الغياب. ألم تقرأه حين كتب عن الشهادة وعاشها ليمارسها انتماءّ في كلماته؟
- من كتب كلّ ذلك لا يموت. كيف تقولين مات؟ أخبريني عنه بعد.
· كتب عن الإنسانية والغربة فأوجع حزنه الكلمات:
..."فإن صرخت بكل قواك وردّ عليك الصدى
"من هناك"؟ فقل للهوية: شكراً
إن نظرت إلى وردة دون أن توجعك
أو فرحت بها، قل لقلبك: شكراً.
إن تذكّرت حرفاً من اسمك واسم بلادك،
كن ولداً طيباً ليقول لك الربّ: شكراً".
- عرفته، أعرفه، وقال أيضاً
"... في الستين من عمرٍ سريع
يوقدون الشّمع لك
فافرح بأقصى ما استطعت من الهدوء،
لأن موتاً طائشاً ضلّ الطريق إليك
من فرط الزّحام... وأجلَّك..."
· ولم يمهله العمر كي يغادر مركب الستّين. غريب كيف تبخل علينا الحياة أحياناً ببعض بقاياها، لا تتنازل حتى عن حفنة سنوات لمن يستحق كلّ السنوات! قل لي: حيث ذهب هل يبقى الشاعر شاعراً؟؟
- لست أدري ولكنه سيبقى هنا الشاعر الشاعر مهما طال سفره في غربته عنّا. أوليس هو من قال:
" وأنت تفكّر بالآخرين البعيدين، فكّر بنفسك، قل: ليتني شمعة في الظلام"
· بلى، وقال أيضاً:
" وأنت تنام وتحصي الكواكب، فكّر بغيرك
ثمّة من لم يجد حيّزاً للمنام"
· وقال أيضاً :
" وأنت تخوض حروبك فكِّر بغيرك
لا تنسَ من يطلبون السلام"
- سلام على روحه من عصفورك العاشق.
· بل قل شكراً، شكراً محمود درويش لأنك - وأنت معنا - أسكنتنا فرح الكلمات في كلّ الآلام، وحين رحلت تركت لنا شاعراً، بل: كلّ الشعر.