هذه آخر ذكرياتي عن الياس أبو شبكة – 16 – 20 من 35

(1920 - 2006)
16-20 من 35
16. زينب
في المرحلة الأخيرة من حياته القصيرة، كان الياس يُعِدُّ مسرحية شعرية عن "زينب" (ملكة تدمر الحمراء) من خلال حبيبة عمره "ليلى". سألتُه ذاتَ سبتٍ في زيارته الأسبوعية: "أين أنت من مسرحيتك؟" أجاب: لم أنته بعدُ من تهيئة عوالمها. ومتى انتهيتُ من هذا، يسهُل الأمر بعده، إذ لا يعود سوى النّظم" (كأنّ النّظم لديه بتلك السّهولة التي يفترضها، كما نتلمّس في إحدى نظرياته حول ضنى ما كان يسميه أمين نخلة "الصنيع الفني")، ثم أضاف: "نظمتُ منها سبعة أبيات، سآتيك بها السبت المقبل".
لم أكن أدري، يومها، أن ذاك النهار كان آخر سبت من لقاءاتنا الأسبوعية. فـ"السبت المقبل" لم يُقبل، ولا أقبلَ صديقي فيه، لأن الدّاء أسبوعئذٍ طرحه في الفراش وبدأتْ من يومها مرحلة من آلامه الأخيرة دامت شهراً وبعض الشهر وانتهت برحيله.
ولم يظهر بعد رحيل الياس أيُّ أثر لتلك الأبيات السبعة.
على ذكْر "زينب": عندما أعلنَّا لاحقاً عن إقامة أحد احتفالات ذكرى أبو شبكة في قاعة النّدوة اللبنانية، حيث ألقيتُ قصيدتي "زينب") اتّصل بي الطبيب البروفسور أبو الرّوس، وقال: "وصلتْني الدّعوة إلى مهرجان أبو شبكة. أنت تعلم مقدار محبتي وتقديري لهذا الشاعر الكبير. بي رغبة في الحضور، لكن سِنِّي لم تعُد تسمح لي بالتّنقُّل ليلآً، فهلا مررتَ بي لتصحَبَني إلى النّدوة اللبنانية؟".
لبَّيتُ طلبه فأصغى طوال الاحتفال وانتظر زهاء نصف ساعة بعده تهانِىءَ الحضور الخطباء، ثم سألتُه الانصراف فقال: "انتظرتُ إلى الآن، لأنني خفتُ عليك من التهاب الحنجرة إذا خرجنا في هذا الصّقيع، وحنجرتك لم تبرد بعد من حرارة إلقاء رائعتك "زينب" بهذا الانفعال الحادّ. لُفَّ عنقَكَ جيّداً بشالك الصّوفي ولْنخرج على بركة الله!".
وخرجنا وأنا أشكر الله أنْ لا يزال في لبنان مَن يخشى على الشّعراء من التهاب حناجرهم.
17. "أشعَر" من أبو شبكة
زارتني يوماً صاحبة "إلى الأبد " في مكتبي (مدرسة عينطوره) تطمئنُّ إلى نتائج أولادها المدرسية، ثم خرجتْ وهي بكامل أناقتها، وعطرُ "فامّ" (Femme) يضوع منها. وصادف خروجها مرور أحد الأساتذة الظرفاء من آل صقر، فتباطأ حيناً متأمّلاً ما هي عليه من الجمال والرَّونق، حتى إذا غابت عن العيون منحدرةً الدَّرج المؤدّي إلى الخارج، ارتدَّ إليَّ بكلِّ حماسة قائلاً باندفاع: "قلْ لحسناء الزّوق، إذا أحبَّتني أقول فيها شعراً أكثر مما قاله صديقك أبو شبكة".
18. "أبو" الرفع والنّصب والْجرَ
كان الياس أبو شبكة يكره التّلاعب بإعراب كلمة (أبو) في اسْمه رفعاً ونصباً وخفضاً. فهو "أبو" شبكة فقط في جميع حالات الإعراب، وكفانا سيبويه شرّ التّلاعب بإسماء العَلَم.
ألم يقلْ أحد اللغويين القدامى: "يا نَحْوَ، يا نَحْوَ، حُقَّ لِمَنْ بَراكَ الْمَحْو"؟
19. أنَفَة "أبو" شَبكة
قال نسيب عريضة يرثي صديقاً له:
أخذْتُـكَ في الحياة على هِناتٍ وأيُّ النَّـاس ليس له هِنـاتُ؟
ما ذُكِرتِ الأنَفَةُ إلا تبادرت إلى الذّهن أنَفَةُ "وليّ الدّين يكُن" وكلمته الرّائعة فيها، وسواه من الأعلام أصحاب الأنوف الشّامخة.
وما ذُكِرت العنجهيّة إلا تسارعتْ إلى الذاكرة ما كان للمتنبّي في مراحل حياته الأربع، وأبرزُها الثانية في حلب تسعَ سنواتٍ في بلاط سيف الدولة حيث وقف بعنجهية أمام تهجُّمات حسَّاده الكُثُر، وكذا فعل سواه من نجوم الأرض ذوي المواقف إزاء الحسد والوشاية والنَّميمة.
لعلَّ أول المتهجّمين على الشعراء (بعدما القرآنُ الكريمُ فتحَ النار عليهم – "والشّعراء يتبعهم الغاوون، ألم ترَهم في كل وادٍ يهيمون، يقولون ما لا يفعلون ..." – والأسباب سياسيةٌ لردِّ تخرّصات أعداء النبي العربي من أصحاب القوافي في مقامات الرّسالة العُلى) كان أبو عثمان الجاحظ الذي قال في ما قال: "وَمَن ألأم مِن الشّعراء؟! هل ألأمُ مِن أبي نوّاس؟ ومَن اصطَلى بنار أبي العتاهية؟".
تبارى كثيرون في الحَطِّ من أصحاب الأوزان، فراجتْ نوادر عن بُخل المتنبي الزريّ، وعن عادات البحتري في الإلقاء (يبصق يميناً ويساراً ويصفِّق ويقول: "أحسنتُ والله أحسنتُ")، وعن انجراف المغامرين في دنيا الجنس، والمغرقين في تعاطي الخمر والموبقات (كان أبو نوّاس مع أحد أصدقائه، يصحو أحدهما وينام الآخر، فلم يلتقيا سبعة أيام) ...
أكتفي بهذه اللفتة السريعة في دنيا الشّعراء، لأتوقّفَ عند أنَفَة الشاعر الصّديق الياس أبو شبكة الذي حمَّلتْه أنَفَتُه الكثير في حياته.
كانو شِلَّة من رفاق "عصبة العشرة" في مكتب فؤاد حبيش (دار المكشوف)، وأبو شبكة يقرأ على مسمعهم "غلواء" (قبل طبعها وبعد إحراقه الكثير من أبياتها اللاهبة وفاءً لـِ"ليلى"). وبينما هو في اندفاعه الوجداني متغنياً برفيقة العمر "أولغا" إذا بسليم حيدر يقول له بطيبة الصّديق الذي يغار على صديقه: "هذا البيت مكسور يا الياس. قَوِّمْهُ!" فانتفض شاعر "غلواء" وقطَّع البيت فوجده فعلاً كما قال شاعر "آفاق".
مرّت الأيام، وصدرت "غلواء"، وجاءني الياس بنسخة منها إلى عينطوره ذات سبت، على موعده الأسبوعي في مكتبي، وأخبرني حادثته مع سليم فسألتُه بعفويّة: "وهل أصلحْتَ البيت؟"، قال بحدّة: "لا! طبعاً لا. أأترك لسليم حيدر فرصةَ قوله إنه أصلح لأبو شبكة بيتاً مكسوراً؟ فليبْقَ مكسوراً إلى الأبد ولْيُسامحْني الخليل".
وذات سبتٍ آخر، جاءني الياس ومعه مطلع قصيدته المطوّلة "إلى الأبد" وقرأه لي. أثنيتُ عليه، وبكل حذرٍ دسَسْتُ له ملاحظة صغيرة (بعفوية الصديق الذي يغار على صديقه): "الأفضل يا الياس عدم إلحاق "ألـ" التّعريف بكلمة "غير" كما جاء في أحد أبياتك". حملق بي فابتسمتُ قائلاً: "أعرف: لن تصلحه". وابتسم. وصدرتْ قصيدة "إلى الأبد"، وجاءت "غير" في مطلعها تجُرُّ وراءها "ألـْ" التّعريف.
20. ومَن هو الضَّابط في حضرة الشِّعر؟
كان الضَّابط (في الجيش اللبناني) إميل الخازن يقيم في عينطوره قريباً من المدرسة، فكان يزورني أحياناً في مكتبي ليقف على أمور ابنه المدرسية ويطمئنّ إليها.
وذات أصيل سبت كان الياس في مكتبي، فوصل الخازن واغتنم فرصة وجود الياس ليجادله في أمور السياسة بصفته "الصّحفي المرموق". احتدم الجدل بينهما حول إحدى قضايا الساعة، وإذا الضابط، بجرأته المعهودة، يقول الشاعر الأكثر جرأة: "إسْمعْ: أتريد أن أُفهِمَكَ كيف؟" فلم يدعه الياس يكمل بل أجابه بنبرته العصبية الشهيرة "طبعاً لا" وانصرف عن محدِّثه إلى النظر في كتاب كان على مكتبي، ما حمل الضابط على المغادرة. وما كاد الضابط يخرج حتى قال لي الياس بعنفوانه المعروف: "ومَن هو إميل الخازن ليُفهِم الياس أبو شبكة"؟!
![]()
هذه آخر ذكرياتي عن الياس أبو شبكة – 1 إلى 5 من 35