هذه آخر ذكرياتي عن الياس أبو شبكة – 1 إلى 5 من 35

جورج غريِّب قرأها 7
  

fffffffffffffffefefeeeeeeeeeeesdfsafef333.JPG

(1920 - 2006)

1-5 من 35

1.    لقائي الأول بالياس أبو شبكة

كان لقائي الأول بالياس أبو شبكة وأنا في الثّالثة عشْرَة (سنة 1933) تلميذَ الصف الخامس التكميلي في مدرسة عينطوره.rrrrrrrrrrrrrrrrrrrrwer43r44455555555w4t5.JPG يومها نلتُ، بعد محاولاتٍ، إذناً من الرئيس (الأب سَرلوت) بمغادرة المدرسة، فانحدرتُ إلى بيروت "متأبِّطاً" قصيدةً لي غزليَّةً، قاصداً "الشاعر العملاق" إلى مكتبه في جريدة "الأحرار" (على شاطىء "الزيتونة").

دخلتُ، فكان وراء مكتبه، نظَّارتاه إلى عينَيه، في يده قلمٌ يخُطُّ به كسِلْكٍ من كهرباء على أوراق مبعثرة أمامه، يعطيها من عصبه وبصره وانحناء رأسه الذي ما عرف الانحناء إلا للكلمة.

وقفتُ أمامه خاشعاً لمنظره العجيب، فلم يلتفت إليّ، ولا شعر بوجودي، ولا عاد من رحلته الشبيهة بالسّكْر.

انتظرت. وبعد نصف ساعة كانت لي كأنها نصف عام، رمى القلم من يده كجنديٍّ عائدٍ من معركة، رمى نظارتيه على الطاولة، ارتدَّ إلى الوراء متنهِّداً، والتفتَ إليّ كأنه لحْظتَها شعر بوجودي، فقال بنبْرةٍ عصبيَّة: "نعم؟ ماذا تريد؟" أجبتُ بتلعْثم: "أنا جورج غْريِّب، تلميذ في مدرسة عينطوره، جئتُكَ بإحدى قصائدي راجياً رأيَك فيها".

"نتَش" القصيدة من يدي. ولمَّا قرأ عنوانها "لولاكِ" لم يقرأ بعده سطراً واحداً، بل فاجأني بسؤاله:

-       أصحيحٌ أنكَ تُحِبُّ واحدةً وتقول لها "لولاكِ"؟

خفتُ من نبْرته، كأنه يحاسبني على فعْلتي "الشَّنعاء" وأنا في تلك السَّنة المبكرة، فعاجلْتُه بالجواب "لا". فمزَّق الورقة فوراً بامتعاضٍ وحمْلَقَ بي: "عندما فعلاً تحبُّ امْرأةً، وتقول لها "لولاكِ"، عدْ إليَّ بقصيدتكَ لأنْظُرَ فيها".

وأشاح عني بسرعة إلى أوراقه، وتراجعتُ خارجاً من مكتبه ذليلاً كمن سقط في امتحان، حاملاً معي من الياس أبو شبكة أولَ أمثولة في الإخلاص لحُرمة الشّعر والحبِّ والمَوهبة.

بعد سنتين على "هزيمتي" تلك أمام أبو شبكة، قادني الطّموح إلى إرسال إحدى قصائدي بالبريد إلى ساكن الشّخروب ميخائيل نعيمة، أطلب رأيه فيها. ولم أنتظر كثيراً حتى جاءني منه ردٌّ بقي منه في ذاكرتي: "أنتَ عند العشرين من العمر أو دونها. لا تنشرْ قصيدة قبل أن ترى أنها أجملُ ما قرأتَ من شعر السّابقين".

هكذا تعلَّمتُ من أبو شبكة الإخلاص في حرم الشعر، ومن ميخائيل نعيمة الإخلاص في حرم صياغته.   

2.    لقائي الثاني

في العام الدراسي 19938/19939 تقدّمت من امتحان البكالوريا (الجزء الأول) يوم كان مصححي الأدب العربي والنَّقد العربي أدباءُ أو شعراءُ أو صحافيون (كان محظوراً على أساتذة الأدب في المدارس التّصحيح في الامتحانات) وكان من بين مصحِّحي تلك الدَّورة الياس أبو شبكة والخطل الصّغير ونقولا فيَّاض. وصدف أن وقعتْ مسابقتايَ في النّقد والأدب بين يدَي الياس أبو شبكة، فوضع علامتي على الأولى 18/20 وعلى الأخرى 54/60.

وعندما اطَّلعْتُ على نتيجتي في الامتحان، ذهبتُ (برفقة إحدى الحسناوات) إلى إدارة جريدة "الأحرار" لأشكر الشّاعر على ما خصَّني به. وأرادتْ رفيقتي الحسْناء أن تحشر أنفها في الموضوع فقالت للشّاعر: "لو عرفتَ أن المسبقتَين هما لجورج غْريِّب، أما كنتَ زدْتَ علامتَكَ قليلاً؟" فأجابها بنبرته المعهودة: "لو قام دانتِه من القبر، وأجرى امتحاناً، لما وضعتُ له أكثر".

3.    لقائي الثالث و .. المستمر

كنتُ لم أزل في معهد عينطوره تلميذ الصّف الثانوي الثاني، عندما خلفْتُ أستاذي الأب مارون غصن (أستاذ العربية ومدير دروسها، وكان تُوُفِّي في منتصف العام المدرسي 1939/1940) فضجَّتْ أوساط المدارس الكاثوليكية لعهدة صفّ العربية في شيخ المعاهد إلى ابْن العشرين.

ومن يومي الأول في حقل التّدريس، أخذتُ على نفسي أن أرفع مستوى العربية في المعهد الذي أنشأني، وأن أجعل منه منبرَ الكلمة المنيرة لكبار الأدباء والشّعراء والمفكرين. وافتتحتُ سلسلة الأعلام فيه بالياس أبو شبكة، كونه أحد طلاّبه القدامى.

بعد أمسية أبو شبكة، خرجنا من القاعة الكبرى، والحضور المزدحم يلهج بعبقرية ابن الزّوق العاشق، سيّد الرومنطيقية في الشرق العربي. فجأة وسط الازدحام، تقدَّمت مني سيّدة لها من السَّحر غيرُ لون، فهنَّأتْني، وبدون استئْذاني دسَّتْ في جيبي شيئاً بكلّ رشاقة، وتوارتْ مختفيةً بين الجمع.

بعدها بلحظاتٍ، تفحَّصْتُ ما في جيبي فإذا بها رسالةٌ إلى الياس من تلك السيّدة. وكانت تلك الرّسالة فاتحةً لرفْقة دربٍ حميمة مع الياس أبو شبكة، بدأت تلك الليلة من سنة 1940، ولم تنتهِ إلا بموته في 27 كانون الثاني 1947 بعدما قُدِّر لي أن أماشيه في جميع مراحل حبِّه.

4.    ورشة حبّdddddddddddddddddddkkkkkkkkkkkkkkkkdfyjdfhj666.JPG

ذات غروبٍ كنَّا على مُشرفٍ رائعٍ من زوق مْكايل، نتمشَّى أمام لوحةٍ ربيعية ساحرة، فدار بيننا، أذكر، الحوار التالي:

-       ما أجمل الطّبيعة ياالياس!

-       لكنَّ الشّاعر وُجد ليزيد في جمالها!

-       ولماذا لا يحقُّ للمرأة أن تقيم الذّبيحة الإلهية كالرّجل؟

-       مخافةَ أن تُعبَد!

-       ماهي رسالتُكَ في الحياة؟

-       جئْتُ إلى الدُّنيا لـ"أفتح ورشة حُبّ".

وشاء لي القدر أن أرافقه طوال سبع سنواتٍ في "ورشة الحُبِّ" تلك.

5.    الخدعة البيضاء

نقول "الخطيئة البيضاء" ونقول "الكذبة البيضاء"، فلماذا لا نقول "الخدعة البيضاء"؟ أوَليست الخدعة أختَ الخطيئة والكذبة، إذا تساوى البياض بين الأخَوات الثلاث؟.

كان الياس أبو شبكة يعرف أنني، عند العاشرة صباحَ كل يوم، أغادر مكتبي في المدرسة (عينطوره) ساعةً كاملةً إلى الصّف.

وذات صباح، بينما كنت أهُمُّ بالخروج من مكتبي عند العاشرة، فوجئْتُ بالياس داخلاً، على غير عادته (إذ كان لا يزورني إلا بعد ظهر السبت). دعوتُه إلى الدخول واعتذرتُ عن البقاء معه لاضطراري إلى إعطاء صفِّي. فقال: "أنتظرك". وما هممْتُ بالخروج مُجدَّداً، حتى فوجئْتُ بـ"ليلى" تصل، فكرَّرْتُ الاعتذار. وقالتْ هي أيضاً: "أنتظرك".

غير أنني، حين عدتُ إلى مكتبي بعد صفِّي، لم أجد الياس، ولا وجدتُ ليلى.

فكَّرْتُ: أتُرى في الأمر خدْعة؟ ثم تذكَّرتُ قولَه تعالى: "إن لم تعودوا كالأطفال، فلن تدخلوا ملكوت السّموات".       

 ttttttttttttttsrstrrtr333rfg.JPG