هذه آخر ذكرياتي عن الياس ابو شبكة – 21-25 من 35
21-25 من 35
21. الياس وزكي مبارك
وقع خلافٌ على صفحات الجرايد بين أبو شبكة (في "الأحرار") والأديب المصري زكي مبارك (في إحدى الصحف المصرية). وطال التّهجّم بينهما إلى عدّة مقالات.
وفي أحدها افتتح مبارك بعبارة: "نحن في مصر نورِّد الشعر والأدب، وأنتم في لبنان تورِّدون الخُضَرَ والفواكه"، فردَّ عليه الياس بمقال افتتحه بعبارة: "هذه مقالة أخرى من زكي مبارك. وأتركُ للقارىء تحريك همزة أخرى كما يرغب".
22. عمتْشتِّي يا الياس
في الأربعينات كانت زوق مْكايِل قرية ريفية بدكاكينها وعَين مائها وقهوتها ولوزها وزهرها وعطرها وسوقها القديم، وإلْفة أهلها وتقاليدها... ولا تزال، رغم دخول العصرنة عليها، محافظة على الكثير من تراثها القروي.
كان بيت الياس أبو شبكة مجاوِراً منزل الشّيخ سليم الخازن وزوجته الحسناء "مارغو" لا يبعد الواحد عن الآخر سوى أمتار قليلة. وكانوا يتبادلون الزيارات دون كلفة أو مواعيد.
وكان الياس يحب كثيراً بيتَه المتسع الحوانب، ومولعاً (كما كان يقول لي) بإطلالته على الخليج الأزرق وأكمات حريصا السّبع.
ذات يوم، في مستهلّ فصل الشّتاء الرّاعد، كان الياس واقفاً أمام الواجهة الزجاجية، عيناه مسمَّرتان في الأفق البعيد، وأحلام "ليلى"هُ تعبُرُ سماء خياله بوشاحها الأبيض، والمطر الخفيف تتناثر حبيباتُه على التّراب الحي. دخلتْ عليه "مارغو" كعادتها، وأرادتْ أن تقول شيئاً لتنبه الشاعر إلى وجودها، فردَّدتْ ما تعوَّدنا أن نفوه به عندما يتساقط خير الطبيعة: "ليكْ ياالياس، عمِتْشتِّي". لكنّ الياس، بإحساسه المرهف الغريب، فهم قولها "على حقيقته" فأجابها بنبرة لم تألفها: "ما أنا شايفها عمِتْشتِّي".
وكانت تلك الحادثة سبباً (!؟) في قطيعةٍ بين أصحاب المنزلَين اللذَين لم تُباعدْ بينهما الأيام.
إن للشّعراء أبجديةً خاصَّةً لا يُحسن التّعاطي بها إلاّ القليلون.
23. على رفراف السيّارة
جئتُ الياس ذات يوم إلى مكتبه في الْجريدة فسارع إلى القول: "انتَظِرْني عند السّاعة الواحدة على موقف سيّارات الزّوق في ساحة الشّهداء. أدعوكَ إلى أكلة سمك".
وعلى الموقف، في سيارة "بلبل" (المشهور بشعبيّتهكسائق في ذلك الزّمان)، كنا ثلاثة ركّاب ننتظر وصول الشّاعر الذي وصل على الموعد وارتمى بجانبي على المقعد الخلفي مردِّداً عبارته المعهودة "ياربّ عفْوَك ورضاكْ".
انطلق بنا "بلبل" حتى وصلنا إلى محطّة عينطوره (كما كنّا نسمّيها وقتئذٍ، وهي اليوم معروفة بـ"مفرق زوق مْكايِل") فصاح أحدُهم بـ"بلبل": ""خذني معك إلى عينطوره". ولم يكن في السيّارة مكاناً لراكب إضافي. لكن الراكب الزّائد أصرَّ فركِب، على عادة تلك الأيام، على رفراف السيّارة الأيمن.
وعندما حاول "بلبل" الإقلاع لاستئناف السّير، صاح به الياس: "بلبل، قف"، وبي: "هيَّا ترجَّل" وفتح باب السيّارة ونزل منها قبلي. وما كدنا نطأ الأرض ويتابع "بلبل" سيره دون أن يفهم شيئاً، حتى قال لي الياس: "أيريدنا "بلبل" أن نجلس في سيارة على رفرافها يقف إنسان"؟.
وإذا بنا، لندرَة السيّارات في ذلك الزّمانن نسير مشياً في حرِّ الظّهيرة، حتى بلغْنا منزل الياس ونحن نتصبَّب عرقاً ولهاثاً.
إن للشّعراء إحساساً خاصّاً، لاسيّما إذا كانوا من طراز أبو شبكة..
24. الرُّسوم
بعدما كثرتْ أقوال أصدقاء أبو شبكة الكُثُر مدعومة ببراهينَ وتخمينات واستعداد للمساعدة، اقتنع بأنه، إذا طبع كتاب "الرّسوم" (المُعَبَّأ برسوم الزّعَماء والأثرياء ورجال الحكومة) سيجمع ثروةً ما كان ليحلم بها لولا هذه المغامرة في عصر الكساد والفساد وغش العباد.
وظهر كتاب "الرّسوم" ووزَّع على المكتبات، وراح أبو شبكة يفتِّش عن "الفدائيين" الذين تبرّعوا للمساعدة والبذل والتضحيات. وبعد شهور على نكبته بالكلمة في بلد الحرف، إذا بأحد أصحاب المكتبات يصادف صاحب "الرّسوم" ويزفُّ إليه بشرى: "أستاذ أبو شبكة، بعنا نسخة من كتابك"، فيجيب الياس أبو شبكة بقوله: "لأنني أنا اشتريتُها".
25. الوطواط وشجرة الأكّدنيا
كان في جنينة منزل أبو شبكة (أيام كان حول المنازل جُنينات) شجرة أكيدينيا.
أخبرَني أنه يحبها كثيراً ويعتني بها كثيراً، ويشرِف عليها من وراء نافذة غرفته، يسامرها وتسامره، تُبعِد عنه وحشةَ نهارِه وتدْني منه أنس لياليه، فهي بالنسبة إليه رفيقة دربٍ عندما عزَّ الرفاق، يتأمَّلُها في مختلف الفصول، يرى كيف تتلاعب بها الرياح أيام الشّتاء، كيف تُزهِر في أيّام الربيع، كيف تُخرِجُ براعمها زمنَ الصّيف، وكيف تَفقد حِمْلها أيام الخريف الحزينة.
قلتُ بعد ان أسْكَرَه الحديث عنها: "هل لِثَمَرِها حلاوةُ مَظْهَرِها؟"، قال: "لست أدري. فأنا لم أذقْ واحدةً منها". سألتُه مندهشاً: "ولماذا؟"، فأجاب: "الوطواط يضمنُها منّي في موسم إنتاجها، فما يُخمّر وجه إحدى ثِمارها حتى تذهب ضحيّة نَهَمه الذي لا يغفل عن واحدة من ضحاياه".