هذه آخر ذكرياتي عن الياس أبو شبكة – 28 – 31 من 35
28-31 من 35
28. أبو شبكة واصفرار الوجه
من أمثالنا الشعبية القديمة مثل "أصفر بلا علِّة". أتُرى صحَّ هذا المثل في أبو شبكة أم أخطأ؟.
جمعتني في الأربعينيات صداقة مع الطبيب سمير معوّض (الاختصاصي الشهير يومئذٍ بأمراض القلب) ومصدر هذه الصّداقة كونه شقيق "ليلى" صاحبة "إلى الأبد". وكنت كلّما التتقيتُه في عيادته (بجانب كنيسة مار جرجس المارونية مقابل اللعازارية قرب ساحة الشهداء)
تحدّثْنا عن أبو شبكة لكونه كان مطَّلعاً على الحبّ بين شقيقته والشاعر العاشق.
ومن أغرب ما قال لي يوماً في منتصف 1945 (قبل سنتين من وفاة الشاعر) "صديقك حياته قصيرة. لا أظنه يعيش أكثر من سنة ونصف أو سنتين". ولكثرة ما آلمني هاجسه الطبّي لم أناقشْه في هذا الافتراض.
وعلى قاعدة "الشيء بالشّيء يُذكَر": ذات يوم من 1945 جاءتني شقيقتي جوزفين إلى معهد عينطورة تستطلع أحوالي (بأمر من الوالدة التي أوشك حبها إيّاي أن يكون مَرَضيّاً). ومما قالتْه لي يومها: "كنت أمس في بيروت مع صديقتنا المغتربة سلمى شكيبان، وصادفْنا صديقَك الياس أبو شبكة يعبر (ساحة البرج). سلّم عليّ بلهفة وطمأنني إليكَ قائلاً: "أمس كنتُ عند جورج، وهو في أحسن أحواله". وبعدما انصرفَ، قالت لي سلمى: "لم يعجبني اصفرار وجه الشّاعر. عسى أن يكذِّبَني الواقع".
وأبو شبكة نفسُه لم يغفل عن اصفرار مُحيَّاه، وهو القائل في إحدى مقالاته: "ما كان يصعد الدّم إلى وجهي إلا حين أشدّ على عنقي لاستبدال طوق القميص".
29. شنكليش
في آخر سبتٍ لأبو شبكة عندي (منتصف كانون الأول 1946) رأى على مكتبي ثلاث قِطَع من الشّنْكليش في إحدى الزّوايا. هلّل لها فبادرتُه: "جاءتْني بها والدة تلميذي لطف الله الغريِّب من بَيْنُو (عكّار) ولم يسبق لي أن عرفتُ الشّنْكليش". وحين قال لي الياس إن هذا النوع من الأجبان أشهى مازة مع كاس العرق، رجَوتُه أن يأخذ تلك الطّيّبات ويتنعّم بتذوّقها".
وخرج الياس يومها بالشّنْكليش من مكتبي، و... لم يعُدْ، لأن المرض تفشّى في جسده.
ومن قبيل الدّعابة صِرتُ أقول للطف الله الغريِّب كلّما التْتقيتُه: "سمَّمْتُم لأبو شبكة بشنْكليشكم".
30. قبلة لم تتم
وفي زيارته الأخيرة تلك، قال لي إنه سيُصْدر مجموعةً شعريّة جديدة بعنوان "قبلة على شفاه". وشاء القدر أن يغيب الياس ولا تصدر المجموعة، فاحتفظْتُ بالعنوان (وفاءً) لإحدى مجموعاتي الشّعرية في ما بعد "قُبَلٌ على شفاه".
وبعد غياب الياس انكبّيتُ على كتبه أدرسها، وعلى ذاكرتي أستعيد ما فيها من أفراح اللقاءات وأحزانها، لأخرِج أولى دراساتي عنه. وحين أعلمْتُ ميخائيل نعيمة بالأمر كتب إليّ يقول: "تخبرني أنك باشرتَ بوضع كتابٍ عن صديقنا الرّاحل. أرجو أن تعطي أبا ناصيف ما يستحقُّ من تكريم، فقد كان وفيّاً لرسالته ووطنه وأصدقائه. عسى أن يكون عملُك فاتحةَ عهدٍ يعلِنُ بعده أدباءُ لبنان ما كان لشاعر الرّومنطيقية الكبير من أثر في هذا العصر".
31. حبيب عودة
أورثني أبو شبكة صديقةً هي صاحبة "إلى الأبد" (أطال الله عمرها) لتظلَّ ساهرةً على ذكرى عبقريٍّ رحل في إبّان عنفوانه)، وصديقاً هو حبيب عودة (توفّي في أيار 2001 إثر عملية جراحية لم يتحمّلها قلبُه الوفيّ).
حبيب هو ابن زوق مكايل (ولد فيها 1915) وعُرفَ بصفاء الخلق وطيب المعشر وسداد الرّأي. وكان ماهراً في الحياكة على النّول بين أبناء بلدته التي زاحمت "صنعاء" على الإمارة في صناعة الأنوال.
جمعه بالياس أبو شبكة تعاطف كليهما مع حزب "الكتلة الوطنية" وعميدها إميل إدِّه. ولا تنسى زوق مكايل كيف الياس (في إحدى مقالاته الصّحفية) هبّ للدّفاع عن حبيب يوم داهمه رجال الأمن يحاولون نزعَ صور إميل إدِّه عن واجهة مشغله، فتصدّى لهم "أبو أنطون" بجرأته المعروفة.
ومن روائع حبيب عودة الحِرْفيّة لوحةٌ كبيرةٌ نسج فيها على النُّول توقيع الياس أبو شبكة (بالنّظر إليه عن بُعد لا بنقْلِه من ورقةٍ تحتَ يده).
كان منزل حبيب مثل منزل "ليلى" تفصل بين المنزلين مدافن زوق مكايل التي طالما سهر الشاعر في ممرّاتها الموحشة شتاءً وصيفاً، لايغادرها حتى ينطفىء الضّوء في غرفة "ليلى" التي، حتى علمتُ بالأمر، باتت تسهر لياليها مع العتمة كي توفِّر على شاعرها الانتظار بين المقابر. وحين كثُرتْ زيارات أبو شبكة لأبو أنطون، رأى الشّاعر أن يستفيد من موقع منزل صديقه، فتفاهم مع "ليلى" على "شيفرة" خاصة بهما عبر مناشفَ تُنشرُ على السّطح، يدلُّ لونُ كلِّ منشفة منها على زمان اللقاء ومكانه.
وتوالت الأيام، وأبو شبكة في صراع مع العصر، ومع الحب والرّقباء. وفي أواخر 1946 فاجأه الدّاء وساءت حاله فنُقل إلى مستشفى قلب يسوع (الخندق الغميق) حيث بقي يقاوم داءَه حتى أسلم الرّوح صباح الإثنين 27 كانون الثاني 1947. وطوال بقاء الشاعر في المستشفى، لازمه صديقه حبيب عودة، لا يتركه يوماً واحداً. وهناك، في المستشفى، اشتدّتْ صِلتي بحبيب، إذ شاء القدر أن أكون نزيل المستشفى نفسه بسبب "نزلة صدرية" ألمّتْ بي في (15 كانون الثاني) وكانت غرفتي مجاورةً غرفة الياس، فبقيتُ أسبوعين أعاينُ، عن قربٍ، مأساة رحيله.
وذات يوم، وأنا هناك، جيء بليلى (محجّبةً متنكِّرة) لوداع حبيبها. لكنه، لشدّة وهنه، لم يستطع أن يكلّمها. وإذ انْحَنتْ لتقبِّل جبينه، قبّل الصّليب المتدلِّي من عنقها. وهو ما ذكرْتُه في قصيدتي عن الياس يوم ذكراه في القصر البلدي (زوق مكايل -27 كانون الثاني 1978):
قمْ نقبِّلْ في بيت ليلى صليباً قبلةٌ منكَ لم تزلْ في الصّليب
وفي المستشفى، ذلك اليوم، أوهزتْ "ليلى" إلى حبيب بأن يهرع فوراً إلى بيت الياس، وينقذ الرّسائل بينها وبين الياس (وهي بلغت مئات الرسائل اللاهبة) قبل أن تمتدّ إليها يدٌ غريبةٌ وتكون فضيحةٌ رهيبة. واستعادت "ليلى" الرسائل، بعد غياب الياس. ولو أنها بقيت في عهدة حبيب، لَمَا كانت تمّتْ مؤامرة إحراقها، وفوَّتتْ على الأدب العربي الحديث كنزاً رائعاً من كنوز أدب الرّسائل.
بين كبار الشّعراء من اختصّوا، إلى جانب الشعر، بكتابة رسائل إلى حبيباتهم حمّلوها أصدق ما لديهم من لَهَب. وفي مقدمة ديواني "ملكاتٌ من صنع الشّعراء" لائحة بكبار في الشرق والغرب خلّدوا بشعرهم ورسائلهم نساءً غدونَ ملكاتٍ في هذا العالم.
وحين اكتشف النّقَّاد، قبل سنوات، رسائل حبٍّ لأحد كبار شعراء فرنسا، هزّ الخبر المجتمع الفرنسي وهرع مخرجو الشاشة إلى تحويل الرّسائل فيلماً سينمائيّاً.
هذا في الغرب، بينما في الشّرق تُحرق رسائل أبو شبكة ورسائل ليلى إلى أبو شبكة، بكلّ ما فيها من روائع شعريّة وعاطفيّة نقيًة لا يمكن أن تخجل بها امرأةٌ أو يتردّد عن كتابتها عاشقٌ وفيّ.
--------------------------------------